بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وآله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:
فقد كان أهل العلم بالحديث والسنّة يجتنبون غرائب الحديث وشواذه، ويلتزمون الأحاديث الظاهرة التي رواها الناس وتواطأت عليه ألسنتهم، ولذلك فقد اشتدّ نكيرهم على المهتمّين بالغرائب، واعتبروا الاشتغال بها استبدالًا للذي هو أدنى بالذي هو خير، وممّا نُقل عنهم في ذلك:
قول الأعمش (رحمه الله) :"كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام" [1] ، وقال أيوب السختياني:"إنّما نفرّ أو نفرق من تلك الغرائب" [2] ، وقال عبدالله بن المبارك (رحمه الله) :"العلم هو الذي يجيؤك من ههنا وههنا"، وقال أبو يوسف:"من طلب غرائب الحديث كذب" [3] ، وقال الإمام مالك:"شرّ العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس" [4] ، وقال الأمام أحمد:"لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنّها مناكير" [5] ، وقال أيضًا:"تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب، ما أقلّ الفقه فيهم" [6] ، وقال علي بن الحسين:"ليس من العلم ما لا يُعرف، إنّما العلم ما عُرف وتواطأت عليه الألسُن" [7] ، وقال زهير بن معاوية:"ينبغي للرجل أن يتوقّى رواية غريب الحديث" [8] ، وقال خالد بن الحارث:"لو كان في [حديث الأشعث] شيء غريب لمحوته"، وقال ابن رجب:"وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث ويذمّون الغريب منه في الجملة" [9] .
لكن هذا لا يعني أنهّم لم يعتنوا بهذه الغرائب والأفراد، بل اهتموا بجمعها ودراستها، وذلك لأسباب منها [10] :
1)أن الغرابة هي أحدى طرق التعرف على الأوهام والأخطاء الواردة في الأحاديث، فإن العلاقة قوية بين الغرابة وإعلال الأحاديث.
2)المساعدة في الحكم على الرواة، فإن الإكثار من رواية الغرائب سببٌ لترك حديث الراوي.
(1) المحدث الفاصل 565.
(2) صحيح مسلم 1/ 23.
(3) الكامل 7/ 145.
(4) الجامع لآداب الراوي والسامع 2/ 100.
(5) المنهل الروي 56.
(6) الكفاية 142.
(7) سير أعلام النبلاء 4/ 391.
(8) المحدث الفاصل 562.
(9) انظر (الحديث المعلول قواعد وضوابط) 100.
(10) انظر (منظومة لغة المحدّث) وشرحها للشيخ طارق عوض الله 143.