الصفحة 218 من 406

بقول ابي الاسود الدؤلي هذا نفسه. كما نقل عنه ذلك أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيّد البطليوس (ت521هـ) حيث قال:"ظاهر كلام ابي القاسم هذا يوهم أن الواو تنصب الفعل المستقبل بنفسها دون إضمار (ان) وكذلك قال في كتابه المصنوع في معاني الحروف، وهذا صريح مذهب الكوفيين؛ لأنهم يسمون هذه الواو التي ينصب بعدها الفعل المستقبل واو الصرف، ومعنى ذلك عندهم أنها تصرف معنى مابعدها عن معنى ماقبلها فينتصب لمخالفة الأول" [1] .

والظاهر أنّ الكوفيين ولاسيما الفرّاء لم يطلقوا على هذه الواو اسم واو الصرف فالفرّاء حينما عرّف الصرّف قال أن تأتي الواو معطوفة، ولم يقل تأتي واو الصرف، وإنما قالها بعض النحاة البصريين ليتخذوا لهم رأيًا وسطًا بين مذهب الكوفيين ومذهب جماعتهم البصريين.

فمتى كانت الواو هي العاملة؟! ومتى كانت تحمل المعنى بنفسها من دون أن يكون لما بعدها أثر في تحديد معناها؟! فما الذي يحدد المعنى لكي تكون عاطفة؟ وما الذي يحدد كونها استئنافية؟ وما الذي يحدد أن تكون للحال؟

أليس الذي يحدد هذا كله هو العلاقة التي تربط بين معنى ما قبلها ومعنى مابعدها!.

أما النحاة المتأخرون فقد سموا الواو التي ينتصب بعدها الفعل المضارع، بواو المعيّة التي يكون مابعدها مصاحبًا لمعنى ماقبلها في إرادتهما معًا، ولكنهم أقرّوا بان نصب المضارع بعدها بأن مضمرة كما قال البصريون [2] .

ولو رجعنا الى مايقرره المعنى لأتضح لنا أن مذهب الكوفيين أكثر موافقة من غيره في ذلك، فلما كان القصد هو أن لايجمع بين النهي عن شيء معين، وبين الاتيان به، كان ذلك داعيًا لأن يُغير المتكلم اسلوب كلامه ليوصل هذين المعنيين (النهي، والاتيان) الى السامع وما يريد أن يقوله بشأنهما فيفهمه ذلك، وهذه المغايرة في سياق الكلام الواحد تكون أكثر وضوحًا في اختلاف الألفاظ بعضها عن البعض الآ خر، وهذا ما أطلق عليه

(1) الحلل في اصلاح الخلل: 254.

(2) ظ: قطر الندى: 87، شرح ابن عقيل: 4/ 15، شرح الأشموني: 3/ 566.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت