فهرس الكتاب
من أعيان وقته، إذ لم يكن فيهم أحدٌ يُسند إليه، ولا بشرٌ يعوّل عليه )) [1] ، وهذه العبارات لاتنسب الرسالة إلى ابن الطراوة، إنما تنسبها إلى (أصحاب من جملة الكُتّاب) ، وقد تكفل الدكتور محمد إبراهيم البنا بتعليل هذا اللبس وتوجيه هذا الاشكال فانتهى إلى أن عبارات النص المتقدم إن هي إلا إشارة إلى أن الذي جمع مسائل النقد ورتّبها في هذه الرسالة هم تلاميذ ابن الطراوة، أما واضع هذه المسائل فهو ابن الطراوة نفسه؛ يتأيد ذلك بعدة أشياء؛ منها: أن الناقد في الرسالة يتحدّث ويخاطب بلسان واحد، ويردّ وينقد بأسلوب واحد، فضلًا عن كثرة إحالته إلى كتب ابن الطراوة الأخرى في أثناء رسالته هذه، ثم أثبت أن الرسالة كانت بلفظ الشيخ وإن كان التلاميذ هم من جمع ذلك ورتبّه [2] .
ومما يلفت النظر في هذه المقدمة هو اشتمالها على دوافع التأليف، فثمت دوافعٍ دعت لوضع هذه الرسالة؛ وهي قوله: (( وكان الذي حدا إلى النظر في هذا الكتاب تهافتُ في تفضيله على غيره من المختصرات المرويّة، وتظاهر المصحّفين لتقّدمه على التواليف المسندة خروجًا من شرط النقل عن أهل الثقة والإسناد إلى الأئمة، حتى درست آثار المتقدمين، وامّحت سبيل المؤلفين، فطمسوا أعين الناظرين، وظربوا على آذان السامعين، وخلصوا إلى قلوب الناشئين ) ) [3] . ولا أنوي التعليق على هذا الكلام هاهنا وإنما أكتفي بالإشارة إلى أن الدافع الأول لوضع الرسالة كان لان المتعلمين في الأندلس صاروا يفضّلون كتاب (الإيضاح) على غيره من الأسانيد حتى درست آثارها، مع أن (الإيضاح) خارج عن شروط النقل عن الثقاة، ولم يُسند متنه إلى إمام يرويه، بل هكذا تعاهده أهل الأندلس كما يرى ذلك ابن الطراوة. وهو بإشارته تلك وتصريحه هذا لم يضع لنفسه منهجًا محددًا في الكتاب، غير أنه أشار وفي أكثر من موضع من الرسالة [4] إلى منهجه في الرد وقد قال فيه: (( وإنما قصدنا إلى الإفصاح ببعض ما وقع في هذا الكتاب من الخطأ والتقصير مما تفرد به وخرج عن قصد سيبويه، فأمّا ما سوى ذلك مما تاه فيه مع غيره فأكثر من أن أُحصيه، وأبعد مشقةً من أن أستوفيه، وقد بيّنا العذر في ما تقدم ) ) [5] ، وما تقدم فهو قوله: (( .. إنما نبسط القول فيما عرضنا له ليكون
عيارًا على ما أعرضنا عنه )) [6] .
يمكننا في ضوء هذين النصّين تحديد منهجه النقدي، وهو قائم على أساس تخطيء الفارسي في ضوء مخالفته لسيبويه، على أن موضع أو موضعين يكفيان ويُجزءان عن كل باب يتعرّض له. وقد مضى ابن الطراوة على وفق هذا المنهج الذي لم يصرّح به في مقدمة رسالته في نقد كتاب
(1) ينظر: أبو الحسين بن الطراوة وأثرة في النحو: 52 - 55
(2) رسالة الإفصاح: 16.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 19، 22، 27، 42، 64، 72.
(4) المصدر نفسه: 22.
(5) رسالة الإفصاح: 19.
(6) المصدر نفسه: 17.