الفصل الأول
اتجاهات النقد النحوي
بما أن البحث النحوي كان يسير على وفق مناهج محددة لمذاهب معلومة؛ فقد كان من الطبيعي جدًا أن يلجأ النقد النحوي إلى اكثر من اتجاه نقدي تلاؤمًا وطبيعة هذا البحث ذي المذاهب والاتجاهات المتعددة، فسنرى أن لعلماء كل مذهب من مذهبي النحو الرئيسين (البصري والكوفي) معاييره الخاصة في تقييم الموضوعات النحوية على وفق انتماءاتهم المذهبية. فهم إن اتفقوا على ماهيّة الأخطاء وسبل معالجتها ووسائل تحديدها داخل المذهب؛ فقد اختلفوا في جوانب كثيرة (في هذه المسائل نفسها) مع علماء المذهب الآخر، و لا يخفى ماترتب على ذلك من جدل طويل ونقاش محتدم يعزّ نظيره بين علماء المذهبين، وهكذا الحال مع أتباع المذهبين وأشياعهم في الأمصار العربية، فكل خلاف منهما يقوم على نوع نقدي مغاير للنوع النقدي الذي يقوم عليه الخلاف الآخر، وسيأتي بيان ذلك في موضعه.
لقد غلب على النقد المتبادل بين علماء المذهب الواحد طابع الإتفاق والقبول؛ لاتفاقهم على نوع الأخطاء وماهيتها، ثم البدائل المقررة في معالجتها، وماكان ذلك إلا لاتفاقهم على أصول واحدة يُجمع علماء المذهب على صحتها، في حين ساد الطابع الخلافي على النقد المتبادل بين علماء المذهبين؛ وذلك لاختلافهم في الأصول التي يُعايرون بها أخطاءهم [1] ، وبالتالي اختلافهم حول حقيقة الأخطاء والبدائل المقررة في معالجتها، فانماز تبعًا لذلك اتجاهان نقديان، كل اتجاه منهما يُعنى بنوع نقدي مستقل، غلب الأول منهما على النقد الجاري بين علماء المذهب الواحد، وغلب الثاني على النقد المتبادل بين علماء المذهبين، فالذي أعان على ظهور هذين الاتجاهين النقديين في النحو العربي-إذًا- إرتباط المفهوم النقدي لعلماء كل مذهب بالأصول النحوية التي انبنى عليها ذلك المذهب. فإذا أردنا تحديد معالم كل اتجاه منهما؛ فلابد أن نقف على جانبين رئيسين - سيكونا منطلقنا لدراسة هذا الفصل إن شاء الله تعالى - هما:
الجانب الأول: أصول المذهب النحوي كونها المعيار النقدي الأساسي المتّبع من قبل علمائه في هذين الإتجاهين على حدٍّ سواء، وقد صار معلومًا أن التعرّف على هذه الأصول يعني التعرف على هوية الناقد.
الجانب الثاني: المذهب النحوي، مفهومه، وأُسس تكوينه، كونه المرجع الأساسي لتلك الأصول، وإن تحديد هذا المَعلَم الرئيس يعني تحديد هوية الناقد والمنقود معًا، وبتحديد هذين الجانبين نكون قد حددنا معالم الإتجاه النقدي الذي يخضعان له. علمًا أننا سنتعامل مع مصطلحي (النوع والإتجاه) تعاملًا واحدًا؛
(1) ينظر الإحتجاج العقلي في النحو العربي (رسالة) .