الحمد لله الذي خاطب كل قوم بلغتهم، ورضى لنفسه أن يخاطب أمة الثقلين بلغة العرب. يارب إن الحمد لك والشكر لك كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إنْ رضيت، ولك الحمد بعد الرضى بعدد العدد من الأزل إلى الأبد، وبعد.
إن النحو العربي على أصح الروايات بُني أساسًا على شكل ضوابط قُوّمت بها الأخطاء التي تطرقت إلى ألسنة العامّة، ثم إلى ألسنة الخاصة من العلماء والأدباء والشعراء، فكانت القاعدة النحوية أول أداة يلجأ إليها النحاة واللغويين والبلاغيون والأدباء على حدّ سواء في تقويم الأخطاء وتصويبها، وبهذا يسجّل النقد النحوي أسبقيته على جميع أنواع النقد التي عنت بعلوم اللغة وإنْ حاول بعضهم الغضّ من شأنه بل وطمس حتى تأريخه، وماذاك إلا لأنه لاينطوي على عاطفة ولا يُعنى بالصور ولايتعامل مع الخيال، وكأن النقد بمفهومه العام وحتى بمفهومه الخاص وقفٌ على هذه الأشياء.
لم تكن القاعدة النحوية بعدّها أداة للتصويب بمأمنٍ عّما يقيلها من العثرات، لاسيما وإن مباحث النحو قد اتسعت، وأن رؤى النحاة قد تباينت واختلفت، فأخذ النقد النحوي مع ترجيح هذه الآراء بعضها على البعض الآخر عمقًا خاصًا غير الذي أَلِفه علماء غير النحو من لغويين وأدباء وبلاغيين؛ حتى صار أشدّ إمتناعًا عليهم، وهكذا بدأت مسيرة هذا النوع النقدي تشق طريقها عبر قضايا النحو ومسائله وفي أدق تفاصيلها حتى طالت المناهج، والمؤلفات، والعلماء، والآراء بما فيها من سماع وأقيسة وما بُني عليها من حدود وأعاريب، وماعُبرّ به عن هذه الجوانب من أساليب وعبارات وأمثلة ومصطلحات.
تحددت بُنية هذا النوع النقدي (القديم الجديد) عمومًا في قسمين، إنطوى كل قسم منهما على مجموعة من الطرائق النقدية، أما أحدهما فكان يُعنى بالنقد الشفوي الذي دار في مجالس العلماء ومنتدياتهم، وطرائقه: المناظرات، والموازنات، والأحكام الوصفية، والآخر كان يُحرر تحريرًا، وقد أوجد هذا القسم للنقد النحوي مكانًا خطيرًا بين إتجاهات التأليف النحوي، فضلًا عن مساهمته في اتجاهات التأليف الأخرى.
إن ضوابط هذين الشكلين خضعت أول ماخضعت لمفاهيم شخصية ومعايير ذاتية كالتي وجدت عند عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي وعيسى بن عمر الثقفي؛ وقد كانا يختاران بموجبهما قراءة دون أخرى يقوّمان بها كلام العامّة وقراءات بعض القرّاء؛ فيقبلون مايقبلون ويردّون بموجب معاييرهم مايردّون، ثم خضع النقد النحوي لاحقًا مع ظهور المذاهب النحوية للمفهوم الجماعي، وكان ذلك على يد سيبويه من البصريين والكسائي من الكوفيين، بعد أن أسس كل واحد منهما مذهبًا مستقلًا عن الآخر، فعَلَقَ