الصفحة 397 من 416

مضمون المعايير النقدية بأصول هذين المذهبين الجديدين، فقد أصبحت أصول المذهب المعيار الرئيس بالنسبة لعلماء المذهب في تقويم الأخطاء التي تصدر عن علماء المذهب، كما أصبحت المستند الأول والأخير في مجادلة علماء المذهب الآخر والردّ عليهم، ثم قفل النقد النحوي راجعًا لدى بعض البغداديين وعلماء الأمصار ـ ممن آثر الاستقلال عن متابعة أيٍّ من المذهبين ـ إلى المفاهيم الشخصية، فكثرت تبعًا لذلك معاييره، وتداخلت موضوعاته تداخلًا خطيرًا حتى اختُلف فيما يدخل في حدود الخطأ منها، كما اختُلف في سبل معالجتها ولم يكن هذا لحساب النقد إنما كان على حسابه، فما يراه بعضهم خطأً على مذهبه لايراه غيره كذلك، وما يراه بعضهم حجة لا يحسبه الآخرين كذلك، ولكنها في الآخر تبقى مجرد وجهات نظر خاصة لم تعبر إلا عن أفكار أصحابها. وإن الذي يعبر عن حقيقة النقد في النحو العربي ويحقق موضوعيته هو خضوعه للمفهوم الجماعي لدى البصريين والكوفيين ثم لدى أستباعهم من علماء الأمصار. وسأذكر في أدناه جملة ماخلص إليه الباحث من نتائج مرتبة بحسب ورودها في موضوعات الرسالة وفصولها.

1 -لم يكن المتحمسون للنقد الأدبي أو اللغوي أو البياني الوحيدين الذين دعوا إلى الغضّ من هذا النوع النقدي وطمس معالمه؛ فقد أعانهم على ذلك المختصّين بالنحو أنفسهم، لأنهم هم الذين نسوه وأنسوه غيرهم، فإذا أراد أحدهم أن يبحث في جنبات هذا الاتجاه النحوي إكتفى منه بجانب أو جانبين على أنه قضية مستقلة بنفسها، فمنهم مَنْ درسُه تحت إسم (الخلاف) ، ومنهم مَنْ بحثه تحت عنوان (الردّ) ، وآخر تناوله باسم (المؤاخذات) ... وقد رسم كل واحد منهم كيانًا مستقلًا لما هو بسبيله؛ بدءًا بالمصطلح وانتهاءً بالمضمون، ثم توغلوا في هذا البيان وقد سلَّم الجميع بذلك وكأن الخلاف شيء والنقد شيء آخر، أو كأن النقد شيء والرد أو المؤاخذة شيء آخر، فتجاهلوا تمامًا بيان علاقة هذه المظاهر بعموم الظاهرة، وإنك إذا بحثت في مضامين هذه الدراسات وجدتها تتحدث عن النقد وإذا قارنت الأسماء بمسمياتها لم تجدها شيئًا، فنحن نسمي المؤاخِذ (ناقد) ، والمؤاخَذ (منقود) فالأقيس أن نسمي ما كان بينهما من علاقة (نقدًا) لا مؤاخذةً ولا ردًا ولا خلافًا ولا تقويمًا ولا تصويبًا ولا إصلاحًا ولا تصحيحًا، فهذه كلها ألوان نقدية تجتمع في إطار النقد العام، وإن مصطلح (النقد) يدل عليها كلها ولا تدل هي إلا على نفسها وقد كان اللجوء إلى هذه المصطلحات لايزال يبعد النقد عن حقيقته ـ وقد حصل ـ مالم يتم التأكيد على الرابط الذي يربط عموم هذه الجوانب الخاصة باطارها العام، فهي لاتدل دلالة قاطعة على ما يدل عليه مصطلح النقد.

2 -إن كتاب (مراتب النحويين) لأبي الطيب اللغوي يُعدّ كتاب موازنة نقدية لا كما أُشيع بأنه كتاب ترجمة، وإن الأساس الذي بُنيَ عليه كتابه هو نظرية (المرتبة) ، وقد نسبح أبو بكر الزبيدي على مايشاكل هذه الفكرة كتابه (طبقات النحويين واللغوين) وقد جاء بنظرية (الطبقة) التي لاتختلف كثيرًا في مضمونها عن نظرية المرتبة، وإن فرق مابين الكتابين هو أن أبا الطيب قابل ثم قارن ثم قايس ثم وازن ثم فاضل، واكتفى الزبيدي بالموازنة دون المفاضلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت