3 -عرف النحاة شكلًا نقديًا لم يجر التنبيه عليه بما يستحق، وهو عبارة عن أحكام نقدية تأخذ شكل الوصف يقوّم بها علمية العالم ووثاقته ودرجة ضبطه، وهذا المنحى النقدي لدى النحاة يشابه علم (الجرح والتعديل) من أوضاع علماء الحديث، لكن النحاة لم يبلغوا فيها الدقة التي بلغها علماء الحديث في أحكامهم، لأنها سُخّرت كلّيًا لدى أتباع المذهبين للأهواء الذاتية والدوافع الشخصية، بعد أن كانت أحكامًا يعوّل عليها في مراحل النحو الأولى.
4 -تعدّ الموازنة النحوية من أغنى طرائق النقد حضورًا وذلك لتعدد موضوعاتها، فمبدأ المماثلة يصدق على كثير من جوانب النحو العربي، ومما وقعت المفاضلة فيه: المناهج، والعلماء، والكتب، والآراء، ثم انفردت الموازنات النحوية بالآراء عُقيب القرن الثالث الهجري لأنها تعبر عن جميع هذه الجوانب، وقد وضعت في الموازنة بين الآراء كتب كثيرة كان من أشهرها كتب الخلاف النحوي، فكتب الخلاف النحوي على اختلاف عصورها تعتمد بالدرجة الأساس على مبدأ الموازنة في عرض موضوعاتها.
5 -إن كثيرًا من المسائل التي ردّها المبرِّد على سيبويه تفصح عن تجنٍ واضح وتحامل مبيّت على سيبويه، فلم تكن أخطاءً بل كانت تخطيئًا متعمدًا، وكان ابن ولاّد أذكى من أن تمر به مثل هذه التجنيات دون أن ينبّه عليها، أما المسائل الأخرى التي اختلفا فيها فأغلبها يمس الفروع لا الأصول وأقلها يمس الأصول التي اختلف حولها البصريون جميعًا، فلم يكن الخلاف فيها بين سيبويه والمبرد دون ما سواهم، وقد جرى التنبيه على هذه المسائل من قبل أبي البركات الانباري في كتابه (الإنصاف) كاختلافهم في المسألة (18) وهي في (تقديم خبر ليس عليها) ، والمسألة (97) وهي في جواز أن يُقال: (لولا، لولاك وما تخريجه) ، وقد وافق المبرِّد فيها مذهب الكوفيين، وتابعه على ذلك أبو البركات الانباري من البصريين، وهذا لا يعني أن المبرِّد بخلافه لسيبويه في هذه الأصول خرج عن دائرة المذهب البصري، فالأصل ليس شيئًا توقيفيًا، ولابد لهذه الأصول من أن تصحح، فكما يجري الخلاف في الفروع كذلك يجري في الأصول، وهو خلاف طبيعي، الغاية منه تصحيح الأصول، على أن المسائل (الأصول) التي جرى التنبيه عليها في كتاب (الإنصاف) بين سيبويه والمبرِّد لم تكن آخر ما يختلف في البصريون، إذ جرى التنبيه على عدد آخر منها وهي المسائل: (18) و (70) و (97) و (101) ، وقد اخذ أبو البركات الانباري فيها برأي المبرد والكوفيين، وهو مع تأييده الكوفيون في هذه المسائل كان يُتهم في إنصافه بين المذهبين. كما أن تأييده إيّاهم في هذه المسائل لم يكن ليخرجه عن دائرة البصريين.
6 -إن كثيرًا مما أخذه ابن السِّيْد على الزجاجي لم يكن في الحقيقة مما أغفله الزجاجي، بل هو مما
تغافل عنه راغبًا، لكن رغبة ابن السِّيْد في الاستطراد دفعته إلى أن ينبّه على هذه المواضع من غير حاجة تدعوه لذلك.
7 -إن كثيرًا مما أخذه ابن الطراوة ذو النزعة الكوفية على أبي علي الفارسي البصري مما تخالف فيه المذهبان، فضلًا عن أنه كان كثير التجنّي عليه في المسائل الأخرى.