8 -قصد الحسن بن صافي من مسائله العشر تعنيت العلماء متحديًا إيّاهم بوجوه متكلفة لم يغفلها النحاة إنما تغافلوا عنها لفسادها، وقد وفق ابن برّي للرد عليها وتفنيدها.
9 -لم يوفَّق ابن مضاء لتطبيق أصول المذهب الظاهري على قوانين اللغة، فهو إذ ينكر كل ما لم يرد مسموعًا عن العرب حتى يثبت نصه، ردَّ كثيرًا مما ثبت نصه عنهم، فضلًا عن أنه يقسّم المسموع إلى كثير مقبول وشاذ مهدور، وهو يحمل الشاذ حينًا على الخطأ وحينًا على القلّة التي لايجوز القياس عليها، وهو إذْ يُنكر على العلماء أقيستهم لم يدعُ إلى إلغاء القياس جملة، خلافًا لما أُشيع عنه، بل دعا إلى تصحيح الاقيسة، وقد لجأ هو بنفسه إلى القياس في الرد على النحاة، لكنه لم يوفَّق في كثير منها.
10 -إن دعوى ابن مضاء إلغاء نظرية العامل تنحسر في الشكل لا المضمون، فالنحاة يجمعون على أن حركات الإعراب أثر يجلبه العامل، وأنها تدل على معانٍ محدودة وإنما اختلفت حركات الإعراب لاختلاف العوامل التي تحدثها والمعاني التي تدل عليها، أما ابن مضاء فيرى أن (( الإعراب إنما هو لتبيين المعاني ) )، إذًا فليس بين دعواه ودعوى النحاة سوى أنه لايقول بأنها تدل على عوامل لامتناعه شرعًا، لأن (( القول بأن الألفاظ يُحدث بعضها بعضًا فباطل عقلًا وشرعًا ) )، وأنه (( لافاعل إلا الله عند أهل الحق ) )، لكنه عاد فنسب أعمال العباد إلى العباد: (( إنما يرفعه المتكلم وينصبه اتباعًا لكلام العرب ) )، لأن أحدًا لايسعه نسبة علّة رفع الفاعل من (قام زيدٌ) إلى الله تعالى تأدبًا.
11 -إن ابن جنّي لم يُخالف سيبويه أو جمهور النحاة حين أوكل آثار العمل للمتكلم ونزعها عن الألفاظ بل فسّر قوله وشرحه، وإنما أراد بقوله أنّا لاننسب للألفاظ شيئًا من عمل (( وإنما قال النحويون: عامل لفظي، وعامل معنوي، ليروك أن بعض العمل يأتي مسببًا عن لفظٍ يصحبه ... وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظٍ يتعلّق به ... هذا ظاهر الأمر، وعليه صفحة القول. فأما في الحقيقة ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجرّ والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لاشيء غيره، وإنما قالوا: لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ، أو باشتمال المعنى على اللفظ، وهذا واضح ) )، وهو أجلى من أن يخفى على سيبويه، فالمتكلم هو العامل فيما يقول يرفعه أو ينصبه، ولكن على وقف ضوابط اللغة المُتعارف عليها، ومن هنا صار للنصب موضع ليس للرفع أن يحلّ فيه، كما أن للرفع موضع لا يتهالك الكسر عليه، فلكلٍّ موضع معلوم إذا حلّت الألفاظ ونويت المعاني، فليس للمتكلم أن يرفع أو ينصب أو يجرّ ويجزم كما يحلو له.
12 -إن لكل من المذهبيين البصري والكوفي أصول بعينها، وإنما اختلف المذهبان لاختلاف أصولهما ويكون القول بوجود المذهب النحوي أو نفيه على أساس ما يستقل به من أصول، والمراد من لفظ (الأصول) هنا هي الضوابط المنهجية التي اعتمد عليها علماء كل مذهب في الاستدلال بأدلة النحو، وتسمى هذه الضوابط بـ (قواعد التوجيه) ، وليس المراد من لفظ (الأصول) هنا أدلة العلم من سماع وقياس واستصحاب، ولا يُراد بها أصول الأبواب النحوية وقواعدها، أما ما أُشيع في يومنا هذا من أن المذهبين البصري والكوفي يتفقان في الأصول ويختلفان في الفروع فقول لا وجه له في ضوء ما تقدم.