13 -لا تصح المعاورة بين لفظ (المذهب) ولفظ (المدرسة) من كل وجه، فالمذهب لغةً يعني (المُعتقد الذي يُذهب إليه والطريقة والأصل) أما المدرسة فهي اسم مكان على زنة (مَفْعَلة) لما يكثر فيه الدرس. أما اصطلاحًا فالمذهب يعني مجموعة من الآراء الصحيحة أو التي يعتقد صحتها، وهي تعبّر عن حالة اجتهاد خاصة، أما المدرسة فهي مجموعة من العلماء لا يجمعهم رباط منهجي موحّد، فضلًا عن تباين آرائهم ومعتقداتهم، وإنما تجوّز كثير من المحدثين في إطلاق هذه المصطلح على ما أسماه القدماء مذهبًا، وهو مصطلح مستعار عن الغرب، وتعني ترجمته لديهم ما نعنيه نحن بالمذهب ومن هنا وقع الإشكال، فلفظ المدرسة لدينا لايعني ما يعنيه لفظ المدرسة لديهم، وبالتالي لا يصح أن يطلق لفظ المدرسة أو المدارس على مذاهب النحوي العربي، لأنه لايعني لدينا ما نعنيه بالمذهب ولا يعني لدى الغربيين ما يعنوه بالمدرسة.
14 -لا بدّ من التفريق بين مفهومين مما يترتب على استعمال لفظ المذهب: مفهوم جماعي يُطلق على مذاهب النحو الرئيسة، ومفهوم فردي يُطلق على مذاهب النحاة الشخصية. أما مذاهب النحو الرئيسة على وفق المفهوم الجماعي فهما مذهب البصريين ومذهب الكوفيين لاغير، فلا مذهب بغدادي ولا أندلسي ولا مصري أو شامي، وقد تقدم أن أساس القول بوجود هذه المذاهب هو ما تستقل به من أصول، أما مذاهب النحاة الشخصية على وفق المفهوم الفردي فحدث ولا حرج، وإن من أبرز هذه المذاهب الفردية مذهب ابن مضاء القرطبي. وإن نقطة التحول من المذاهب الفردية إلى مذهب الجماعة مشروط بحجم المتابعة، فإذا تهيأ لهذه المذاهب الفردية أتباعًا وأنصارًا صارت مذهبًا جماعيًا لمن يعتقدها وينضمّ إليها، وإلا بقيت مجرد دعاوى فردية لاتمثل إلا أصحابها، وقد تهيأ للباحث رسم كيان نظري لمذاهب النحو شرح فيه تفصيل ذلك.
15 -يُعدّ سيبويه مؤسس المذهب البصري، ويُعدّ الكسائي مؤسس المذهب الكوفي والفراء مكمل بناءه، وإن الخلاف الذي وقع بين الكسائي والفراء كالخلاف الذي وقع بين سيبويه والمبرِّد، إذ كان أكثره في الفروع وأقلّه في الأصول.
16.إنماز في النقد النحوي نوعان نقديان كل واحد منهما استقل باتجاه خاص، أحدهما كان يجري بين علماء المذهب الواحد؛ اصطلحتُ على تسميته بنقد الوفاق، والآخر كان يجري بين علماء المذهبين اصطلحت على تسميته بنقد الخلاف، ويختلف أحدهما عن الآخر من أوجه عديدة بدءًا من عملية تحديد الأخطاء وسبل معالجتها والبدائل المقررة في ذلك، ثم مضمون المعايير المعتمدة في كل نوع منهما.
17 -إن الثقافة اللغوية والدينية والمنطقية أثر في صياغة أحكام النقد بحجم الأثر المتبادل بين هذه العلوم وعلم النحو، وشكل هذا الأثر، فربما كان وقوع النقد لتحقيق غاية دينية، ولا يعدو النقد في هذه الحالة إلا أن يكون وسيلةً فيه، وردّ إبن مضاء على النحاة شاهدنا على ذلك، وربما كانت هذه المعارف والعلوم وسيلة من وسائل النقد النحوي كافادة النحاة من المباحث الفقهية والمنطقية في توجيه كثير من مسائل النحو.