الصفحة 150 من 416

ليقول قولًا فيما ترك الكلام فيه، كقوله في باب (إعراب الأسماء) [1] تعليقًا على أراء النحاة فيه • (جميع ما يأتي بعد هذا الباب إلى باب الفاعل مفتقرٌ إلى الإصلاح، خارجُ عن سنن الصواب، فمنه مالا يُعهد في اللسان، ومنه ما يخالف نصّ القرآن، ومنه مضمرٌ لا يجوز إضهاره، ولا يسوغُ في العقول إختياره، وتناولهُ من غير تلك الجهة أقربُ، ومحاولَته لما أصّلناه في(المقدمات) أذهَبُ في الحقيقة وأهذَب، غير أن تلك القوانين التي صنعوها والقواعد التي أثبتوها تجري من أهل هذا الشان على إصفاقٍ، وكيف بمناقضةِ [الا] جماع ... ومع هذا فلا بدَّ من الإلمام بما لا محيد عنه، ولا سبيل إلى الغَّض منه ... )) [2] .

ومما اتصف به أسلوبه في هذه الرسالة كثرة التذكير بمنهجه النقدي الذي تخلّى عن ذكره في المقدمة، وهو مع تأكيده على حدود هذا المنهج في كل مرةٍ يذكره فيها؛ خرج عن حده في مواضع كثيرة، لاسيما مع سيبويه الذي اتخذه معيارًا لنفسه، وقد نقده إمّا تصريحًا وإمّا تلويحًا فيما يقرب من (14) موضعًا أو يزيد، سبقت الإشارة إليها، هذا فضلًا عن نقده للعلماء الآخرين مع أنه ألزم نفسه ألاّ يلجأ إلى شيئٍ من ذلك. وتستمر على ذلك سلسلة من التناقضات التي غلبت على أسلوب إبن الطراوة النقدي فيما خرج عن قصده وكان إلى طبعه أقرب.

2 -أسباب مقصودة كانت وراء الدوافع التي صارت مسوّغًا لوضع هذه الرسالة؛ اعتقد الصّحة في بعضها وتغافل عن بعضها الآخر. منها: أن إبن الطراوة لم يبنِ أحكامه النقدية على إستقراء دقيق، فقد اعتمد في نقده للإيضاح على نسخة محرّفة كان يُشكِّكُ هو نفسه بصحّة بعض عباراتها وفي أكثر من موضع من الرسالة، قال في أحد هذه المواضع: (( فان زعم زاعم أن الرواية في الكتاب إنما هي ... ) ) [3] ، وقال في موضع آخر: (( ولعل مُظاهرًا علينا جامعًا في الباطل على إمضائه يزعم أنّ ما ألفَيْناه منصوبًا في النسخ مرفوعُ ... ) [4] ، وقال في موضع ثالث: (( .. قال:(الأسماء المناداة) [5] ، بهذا اللفظ، ولعلّه من الكاتب وهمٌ )) [6] . غير أنه في هذا النص الأخير اعتذر لأبي علي الفارسي خلافًا لما جرت به العادة، وهذا لا يغري؛ فقد اعتمد في مواضع كثيرة -سنأتي لبيان بعضها - على تحريفات وتصحيفات تعمّد نسبة أخطاء النّسّاخ فيها إلى أبي علي الفارسي، وفي مواضع أخرى كان متجّنيًا على أبي علي الفارسي في شيئٍ من آرائه، وسنعرض لأمثلة من ذلك تاركين التعليق عليها إلى مقابلة النصّين؛ نصّ كلام أبي علي النحوي، ونصّ كلام إبن الطراوة وحكمه على عبارة الفارسي:

(1) المصدر نفسه: 32 - 33، وينظر على سبيل المثال: 25، 64.

(2) المصدر نفسه: 17.

(3) المصدر نفسه: 33 - 43.

(4) الإيضاح: 227.

(5) رسالة الإفصاح: 83.

(6) رسالة الإفصاح: 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت