الصفحة 149 من 416

كشف الدكتور محمد إبراهيم البنا النقاب عن دوافع تأليف هذه الرسالة، فوجدها لا تخرج عن حيّز العصبية على أبي علي الفارسي وعلى من اتبع آرائه وقال بها، ووجد أن أبن الباذش (ت 528هـ) - وهو أحد معاصري ابن الطراوة وأحد منافسيه - كان المقصود بهذا الرد، إذ (( كان معنيًّا بتتبع ما اعتمده ابن الطراوة من الكتب، معتمدًا ما وَهّمه، ذلك أنه كانت له على كتب النحو المتقدمة كلام [ونقد] ، ماعدا الإيضاح، فإنه يشرحه، بل لينضم القصيد في مدحه ) ) [1] ، وهذا مالا يحبذه ابن الطراوة، فصار كل واحد منهما يتقصّد تعنيت صاحبه فيما يحبّ وبما يكره، فـ (( إذا كان ابن الطراوة قد ألّف الإفصاح في نقد الإيضاح، فابن الباذش يؤلِّف أيضًا كتابًا في نقد الكافي الذي يراه ابن الطراوة أجدر من الإيضاح، ويخطّئ ابن النحاس في مائِة موضع ) ) [2] .

وفي ضوء ما سبق يمكننا تحديد الأسباب التي جعلت نقد ابن الطراوة لكتاب (الإيضاح) يجانب الموضوعية، وهذه الأسباب تنقسم على قسمين، وكما يأتي:

1 -أسباب غير مقصودة؛ راجعة إلى أسلوب ابن الطراوة وطبيعة تعامله مع المسائل النحوية عن طريق النقد. فقد اتسم أسلوبه النقدي عمومًا بعنايته بأمور لا طائل تحتها؛ كعنايته بالزخرفة اللفظية وتكلّفه صنعة التسجيع في أغلب مناقشاته كما تقدم، كماغلب على نقده العجلة؛ وهذا واضح في قوله: (( أثبَتَ [أبوعلي النحوي] في باب(إنّ) بيتًا قيّده محرفًا، واتبعه تفسيرًا مموهًا مزخرفًا، الخوض فيه تضييع الزمان، وإخلال بالقرائح والأذهان )) [3] . وهكذا في مواضع كثيرة من الكتاب يرى أن الوقت أدركه والزمان يلاحقه في مسائل قد لا يجدي الحديث فيها نفعًا، وإذا كان كذلك فما هو الغرض من وضع هذه الرسالة إذًا!؟ ترتب على هذه العجلة إبقاؤه كثيرًا من المسائل التي عرض لنقدها دون حلّ، مكتفيًا بالإشارة إلى مواضع الخلل فيها، وقدّ مرّ بيان ذلك، والذي حدا به إلى ترك بعض المسائل التي عرض لها على هذا الشكل؛ كثرة إحالته على كتبه الأخرى، ولا سيما كتابه (المقدمات) ، فقد أحال عليه فيما يقرب من العشرين موضعًا [4] ، ومن كتبه الأخرى التي أحال عليها رسالته (في الاستثناء) [5] ، وكتبًا لم يصرّح بأسمائها [6] ، ولعله رأى أن كثرة الحاله على الكتب الأخرى قد تذهب بالفائدة التي وضعت لاجلها هذه الرسالة؛ فكان أحيانًا يناقض نفسه بأن يحيل إلى كتاب من كتبه ثم يعود أدراجه

(1) المصدر نفسه.

(2) رسالة الإفصاح: 42 - 43، وينظر قوله: 51.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 18، 25، 27، 32، 32 - 33، 34، 37، 38، 41، 42، 44، 55، 61، 64، 77، 84، 88، 89، 91، 93، 95، 97.

(4) ينظر: رسالة الإفصاح: 79.

(5) ينظر: المصدر نفسه: 40، 47، 49.

(6) ينظر: المصدر نفسة: 32 - 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت