الصفحة 148 من 416

[1] . أمّا في المرات الثلاثة الأخرى [2] ، فقد قصد من وراء مدحه للفارسي التهكّم والاستخفاف، قال في واحد من هذه المواضع: (( قد ذكرنا فيما مضى أنْ(مذْ) محذوفةُ مِن (منذُ) ، وأنهما إسمان للزمان، وقد ذكرنا اضطراب سيبويه - رحمه الله - تسع مرات [فيها] [3] ، وأحكمنا القول في هذا كلّه في (المقدمات) [4] ، وما وَجْهُ الخفض والرفع بعدها، ولزوم الخفض في بعض المواضع لهما، بما يعضده البرهان، وتشهد له الأشعار والله المستعان، إلا أنّ المؤلِّف [أبو علي الفارسي] إعترض علينا في أنها حرفُ بقوله: (منذُ كم سرتَ؟ فَمنْذُ حرف لإيصالها الفِعلَ إلى كَمْ) [5] ، وإنّي لأعجبُ منه كيف عَدَل في النظر إلى هذا المرمى العظيم البعيد، وأجالَهُ الفكر على هذا المعنى الرئيس، ولم يخْطرُ له سيبويه -رحمه الله - ببالٍ - ولا التبس له بابُ الاستفهام بحالٍ في نحو: (غلامَ مَنْ ضَرَبْتَ؟ [6] و(صاحب مَنْ أنتَ؟) ونحوه من المسطور المشهور )) [7] . وهو في هذا النص وفي غيره يؤكد تحامله على شخصية الفارسي، وهكذا في كل موضع يجتمع فيه ذكر سيبويه وذكر أبي علي الفارسي لا ينفك أن يترحّم على الأول ويقع في الثاني وإن اشتركا في خطأ واحد؛ بأسلوب غلبت عليه الزخرفة اللفظية، وميل مفرط إلى صنعة التسجيح، ولم تنتهِ هذه العبارات المنحوته إلى غايةٍ ما إلاّ حيث أوردها إبن الطراوة لتصوير مواقف سافرة أغلبها مصطنع أنزل بها الضيم على أبي علي الفارسي وعلى مؤلفاته؛ فلم يكن (الإيضاح) آخر ما ينتقد إبن الطراوة من مؤلفات الفارسي؛ فقد قال في بقية كتبه: (( فلشدّ ما خدع نفسه، وغبن رأيه من عَدَلَ عن التواليف المسندة والقوانين المقيّدَة، كالجمل، والكافي [8] ، وكتاب سيبويه الشافي، وفرغ للإيضاح، والشيرازيات، والخصائص [9] والحلبيات، ترجمة تروق بلا معنىً، واسمُ يهول بلا جسم، إلا تشدَّقًا بالكتب، وإحالة على الصحف، وإنّ هذا لهو الخسْران المبين ) ) [10] .

بعد هذا يكون حرّيًا بنا أن نعيد النظر في الدوافع التي كانت وراء هذا الموقف الذي اتخذه إبن الطراوة من أبي علي الفارسي وكتبه و الآخذين بأقواله، ولا نطمئن إلى الدوافع التي تقدّم بها في أوّل رسالته.

(1) ينظر: المصدر نفسه: 56، 78، 89.

(2) ينظر: المصدر نفسه: 47.

(3) وهو أحد كتبه، وقد أحال علية كثيرًا وسيأتي بيان ذلك.

(4) الإيضاح: 261.

(5) كتاب سيبويه (بولاق) : 1/ 443.

(6) رسالة الإفصاح: 89.

(7) أراد كتاب (الجمل) للزجاجي، و (الكافي) للنحاس.

(8) والخصائص، كتاب إبن جني، ولا عجب فهو من تلاميذ الفارسي ومن الآخذين بآرائه.

(9) ينظر: رسالة الإفصاح: 37.

(10) أبو الحسين بن الطراوة وأثره في النحو: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت