فهرس الكتاب
ضرورة الشعر )) [1] . ومعلوم أن ترتيب المادة المسموعة على هذا النحو كانت تحتّم عليه اللجوء إلى مبدأ القياس الذي لا يقول به أصحاب المذهب الظاهري، أو على الأقل يبدون ورعًا في اللجوء إليه، ليجد إبن مضاء نفسه مرة أخرى يمضي على سنّة النحاة مع هذا المبدأ العقلي، أمّا ما أُشيع عنه من أنه يدعو إلى إلغاء القياس فقول لا أساس له، وقد عرضنا نماذجًا من أقيسته التي سنفيض القول في مفهومه لها هاهنا، ويبدو أن حماسة الدكتور شوقي ضيف محقق كتاب (الرد .. ) كانت السبب المباشر في شيوع هذا الأمر الخاطئ عنه، إذ جعل بين معقوفتي تحقيق - لدى عنونته كلام إبن مضاء عن مبدأ القياس - ما نصّه: [الدعوة إلى إلغاء القياس] [2] ، ثم كرر هذه النسبة غير الدقيقة إليه في كتابه (تجديد النحو) [3] ، تسليمًا منه أن إبن مضاء سيكون الأبرّ بأصول مذهبه الظاهري تجاه هذا المبدأ العقلي الذي يستند إلى التعليل كأحد أركانه الأساسية، لكن الواقع جاء خلافًا لذلك؛ فابن مضاء لم يدعُ إلى ترك القياس أو إلغائه لذاته؛ إنما دعا إلى تصحيحه وتشذيبه، وقد قال: (( .. إن الشيء لا يقاس على الشيء إلا إذا كان حكمه مجهولًا، والشيء المقيس عليه معلوم الحكم، وكانت العلّة الموجبة للحكم في الأصل موجودة في الفرع. والعرب أمة حكيمة، فكيف تشبّه شيئًا
بشيءٍ، وتحكم عليه بحكمه، وعلّة حكم الأصل غير موجودة في الفرع. وإذا فعل واحد من النحويين ذلك جُهّل، ولم يُقبل قوله، فِلمَ ينسبون إلى العرب ما يجُهّل به بعضهم بعضًا. وذلك أنهم لا يقيسون الشيء على الشيء، ويحكمون عليه بحكمه إلا إذا كانت علّة حكم الأصل موجودة في الفرع! )) [4] . ثم شرع - في إثر هذا الكلام الذي أوضح موقفة فيه من القياس - يفنّد بعض الأقيسة الفاسدة التي وضعها النحاة، وأغلب فسادها متأتٍّ من جهة العلّة التي اعتلوا بها في عقد تلك الأقيسة [5] ، والأصل في هذا المبدأ العقلي عنده هو أن (( .. من عرف أن شيئًاما حرام بالنصّ، .. لا يحتاج فيه إلى إستنباط علّة، لينقل حكمه إلى غيره ) ) [6] ، لذلك وجد ابن مضاء ما يدفعه إلى إلغاء أكثر العلل النحوية لتشذيب الأقيسة وتصحيحها، منطلقًا بذلك من قاعدة المنصوص عليه ودعوى الإلتزام به.
(1) ينظر: المصدر نفسه: 134، مبررًا ذلك بقوله ـ في الهامش الاول من الصفحة 71 ـ: (( لمّا كان الكتاب ليس فيه عناوين لموضوعاته ومسائلة التي يناقشها، رأيت أن أضيف إليه عناوين تكشفه، وسيراها القارىء دائمًا بين هذين المعقوفين ) ).
(2) ينظر: تجديد النحو: 3.
(3) الرد على النحاة: 134 -135.
(4) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال: 135.
(5) المصدر نفسه: 137 - 138.
(6) الرد على النحاة: 137 - 138.