اللغوي) ولاتُنسب هذه المباحث الى نوعها النقدي إلا عندما يكون الناقد عالم من علماء النحو، كنقد عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت 217 هـ) لشعر الفرزدق وتقويمه له [1] . فلا يتردد أحدهم من أن يسمي ذلك (نقدًا نحويًا) . قال الدكتور داوود سلّوم: (( إن النقد النحوي هو أقدم أنواع النقد عند الإسلاميّين فإن أول فساد اللغة جاء من اختلال النحو والصرف ) ) [2] . وإنما صار النقد النحوي إلى هذا المفهوم باعتبار أمرين:
الأول: تخصّص الناقد العلمي، إذ أن تخصص الناقد العلمي يُحدد الاتجاه النقدي الذي تسلكه ... القاعدة النحوية ـ بعدّها معيارًا فيه ـ كما يحدد نوعه 0
الثاني: يكون التعامل مع القواعد النحوية في ضوء هذا المفهوم على أساس أنها قانون نهائي مقطوع بصحته؛ بغضّ النظر عن التفاصيل التي بُني عليها من خلاف ونحوه 0
أما المفهوم الثاني للنقد النحوي فهو الذي يقع بين النحاة حصرًا، وتنحصر موضوعاته في المسائل النحوية وكل ما يتصل بتقعيد القواعد وتأصيلها، ولا يمكنك التماسه عند غيرهم، وهو المفهوم الذي نحاول إبرازه ودراسته في بحثنا هذا، وبما أن النحوي الناقد يمارس النقد النحوي من خلال هذين المسلكين و بهذين المفهومين؛ فلا بّد لنا من تحديد العلاقة القائمة بين المفهوم الأول والثاني لهذا النوع النقدي ـ وإن كانت دراستنا مصروفة إلى المفهوم الثاني منهما ـ من خلال تحديد العلاقة القائمة بين هذه الأنواع النقدية وبين النقد النحوي 0
إن الفرق بين هذين المفهومين وببساطة هوعلاقة النقد؛ بالنقد على النقد، فإذا كان النقد النحوي في ضوء المفهوم الأول مصروفًا لتقويم النصوص الأدبية أواللغوية وغيرها من خلال عرضها على قانون القاعدة النحوية بعدّها معيارًا معتمدًا في هذه الأنواع النقدية كافة؛ فإن النقد النحوي في ضوء المفهوم الثاني ماهو إلا إعادة نظر في تلك القاعدة النحوية والعمل على تثقيفها من خلال درء الأخطاء الصادرة عن النحاة والعمل على تصويبها، كذلك تحقيق الروايات وتوثيقها وتصويب القواعد وتدقيقها، فضلًا عن ذلك الدفاع عن العلماء والإنتصار لهم والتماس الوجوه والتأويلات لآرائهم؛ وتخريجها على النحو المقصود قبل الوقوع فيها أو القدح بها، والعمل على نقل المستطاع من المسائل الخلافية إلى جانب الاتفاق. لذا فإن أهم ما يتميز به النقد النحوي في ضوء هذا المفهوم هو أنه نقد خاص بالنحاة لا يتأتى لأحدٍ مشاركتهم فيه لارتباطه بالفكر النحوي وقضايا البحث والنظر فيه، فالنقد النحوي ماهو إلا أداة من أدوات التنظير النحوي ولازمة من لوازمه لصوغ القواعد وتنسيقها في الأبواب، ... يترتب على هذه المزيّة مزيّة أخرى وهي أنه لا يوجد تخصص في هذا النوع النقدي، إذ لا يوجد في النحو عالم مختصّ بالنقد دون غيره من العلماء؛ فكلهم يمارس النقد وكلّهم ناقد.
(1) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 32 - 33.
(2) تأريخ النقد الأدبي: 120.