وحتى لانكون متكهنين في إقامة كيان مفترض لنوع نقدي (جديد) ، فلا بدّ لنا من أن نّلم بشيء من آثاره من خلال استقراء مواقف النحاة فيه لأجل أن تكتمل الصورة لدينا عن هذا النوع النقدي القديم الجديد؛ ونقف بذلك على قيمته الحقيقية في النحو وبين النحاة من جهة، وقيمته العلمية بين الأنواع النقدية الأخرى من جهة ثانية.
لقد ترك النقد في الدرس النحوي مواقف كثيرة وخطيرة كانت في بعض من جوانبها تفوق التصّور، وربما سيكون حديثنا عن النقد النحوي حديث لم يؤثر في الأنواع النقدية الأخرى، فلم يُؤثَر عن أحدهم لقي حدفه على يد ناقده كما لقيه هارون بن الحائك [1] ؛ وقد ناظر الزجّاج (ت311هـ) في حضرة أحد الوزراء، وكان الزجّاج قد سأله: (( كيف تقول ضربت زيدًا ضربًا، فقال: ضربتُ زيدًا ضربًا، فقال كيف تَكْنيِ عن زيد والضرب فأُفحم ولم يُجب، وحار في يده وانقطع إنقطاعًا قبيحًا، فصرفه الوزير ... فكان ذلك سبب منيّة هارون ) ) [2] .
لا غرابة أن يصبح الحديث عن النقد النحوي كأنه حديث عن الموت، فما حلّ بهارون كان قد حلّ بسيبويه (ت 180هـ) من قبل في مناظرة وقعت له مع الكسائي (ت 189هـ) وانقضى المجلس على أن الكسائي غلبه [3] ، فغادر سيبوية المجلس وهو مُليم تاركًا العراق بمن فيه وهو شيخ أهل البصرة من النحويين؛ لاقيًا منيّته حيث قُدَّر لهُ، قال الزبيدي: (ت 379هـ) : (( فأقام سيبويه مُديْدة في الأهواز، ثم مات من ذربٍ أصابهُ، وما قتله إلا الغمَّ لما جرى عليه ) ) [4] .
غير أن النحاة الآخرين لا يرضون لأنفسهم ما حلّ بسيبويه أو بهارون ابن الحائك، وكان يسيرًا عليهم أن يلجأوا إلى ما ينجيهم من هذا المصير 0 فبعيدًا عن نظر النقاد أخذ أبو حيان التوحيدي (ت في حدود 380 هـ) [5] كتبه فاحرقها ضنًا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته، فكتب إليه بعض علماء عصره يعذله على صنيعه، (( فكتب إليه أبو حيان يعتذر من ذلك: حرسك الله أيها الشيخ من سوء ظني بمودتك 000وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة عليّ لا لي، ومما شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه، أني فقدت [بفقدها] ولدًا نجيبًا، وصديقًا حبيبًا، وصاحبًا قريبًا، وتابعت فيها أديبًا، ورئيسًا منيبًا، فشقّ عليَّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها، ويُدنسون عرضي إذا نظروا فيه ويشتمون بسهوي وغلطي أن إذا تصفحوها، ويُراءون نقصي وعيبي من أجلها ) ) (1) وهو يرى أنه لم يكن مبتدعًا في ذلك إنما
(1) هو هارون بن الحائك؛ أحد أعيان أصحاب ثعلب؛ أصله يهودي من الحيرة، له: (العلل في النحو) . ينظر: بغية الوعاة: 2/ 319.
(2) معجم الأدباء: 19/ 216، وبغية الوعاة: 2/ 319.
(3) ينظر: طبقات النحويين واللغويين:68 ـ 71، دارت المناظرة حول ما يُعرف بـ (المسألة الزنبورية) وسنعرض
لها في قابل البحث بشيء من التفصيل 0
(4) طبقات النحويين واللغويين: 70.
(5) هو علي بن محمد بن العباس أبو حيان التوحيدي، كان عالمًا متفننًا في علوم شتى. ينظر بغية الوعاة:2/ 190.