الصفحة 20 من 416

تأسّى بمن قبله بحرقها، فقال في بقيّةٍ من رسالته: (( وبعدُ، فلي في إحراق هذه الكتب أسوةٌ بأئمة يُقتدى بهم، ويؤخذ بهديهم، ويعشى إلى نارهم، منهم: أبو عمرو بن العلاء [ت 154هـ] ، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يُوجَدْ لها أثرٌ ) ) (2) . وذكر في من ذكر السيرافي (ت368 هـ) ، قال: (( وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيّد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الأجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طُعمة للنار ) ) (3) 0

من العلماء من وفّرَ على نفسه جهد العناء فلم يصنف كتابًا لئلا يشغل نفسه بحرقه أو إتلافه، فهذا نجم الدين القحفازي (ت 745هـ) (4) شيخ أهل دمشق في عصره، لاسيما العربية، يخبرنا عن سبب عزوفه عن التأليف قائلًا: (( ولم أصنِّف شيئًا لمؤاخذتي للمصنِّفين، فكرهت أن أجعل نفسي غرضًا لمن يأخذ عليَّ ) ) (5) . ونظير ذلك كثر في الأندلس كثرة أثارت حفيظة إبن الربيب (6) ،فأرسل يخاطب علماء الأندلس ويعذلهم على صنيعهم هذا، فكان من قوله (وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم كل امرئ منهم قائم في ظله لا يبرح، وراتب على كعبه لا يتزحزح، يخاف إن صنّف أن يُعنف، وأن ألّف أن يُخالف 000 فإذا أدرك بغيته، واخترمته منيّته، دفن معه أدبه وعلمه، فمات ذكره وانقطع خبره ) ) (7) .

إلا أن القسم الأعظم من النحاة كانوا يرغبون في التأليف؛ وإن بدى لهم سلطان النقد قويًّا، لذا راحوا يلوِّحون في مقدمات كتبهم (8) وفي تضاعيفها بما يدفع طمع الناقد، فلا يجد ما يغريه إذا ترّبص

ـــــــــــــــــــ

[1] معجم الأدباء: 15/ 16ـ19.

(2) المصدر نفسه: 15/ 21 0

(3) المصدر نفسه: 15/ 22 0

(4) هو أبو الحسن علي بن داوود القحفازي، كان عالمًا بالنحو والعربية والمعاني والبيان والأصول والفقه، وكان شيخ عصره في دمشق أخذ الناس عنه وانتفعوا به مع أنه كان قليل التصنيف والتأليف. ينظر: بغية الوعاة:2/ 166 0

(5) بغية الوعاة:2/ 166 0

(6) هو أبو على الحسن بن محمد بن الربيب التميمي القيرواني، أحد علماء الأندلس وأدبائها، كان معاصرًا لابن حزم الظاهري الأندلسي

، وقد رد إبن حزم على رسالة إبن الربيب المشار إليها برسالة ذكرها المقرّي في إثر ذكره لرسالة إبن الربيب المتقدمة. ينظر: نفح

الطيب:4/ 151 - 154.

(7) نفح الطيب 4/ 152ـ153.

(8) ينظر على سبيل المثال قول إبن ولاّد في مقدمة كتابه (الانتصار ليسيبويه على المبرد) ، وقول الزجاجي في مقدمة كتابه (الإيضاح في علل النحو) 0زلاّت المؤلِّف 0 قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ) : (( فأن سنح لغيري علّة لما عللته

(1) ينظر: ضحى الإسلام: 2/ 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت