الصفحة 21 من 416

من النحو أليْقَ مما ذكرته بالمعلول فليأتِ بها )) (1) . هذا إذا تكلمت الأقلام، أما في غير التأليف فكان بعض العلماء يؤثر السكوت ويلوذ بالصمت إذا حلَّ هناك النقد أو رجاله، فقد كان عيسى بن عمر (ت 149هـ) ، وأبوعمرو بن العلاء (( إذا اجتمعا في مجلس لم يتكلم أبو عمرو مع عيسى بن عمر .. لحسن إنشاده وفصاحته ) ) (2) ، أما أبو حاتم السجستاني (ت 255هـ) فلم يكن يرى في الصمت وسيلة تُجدي مع المازني (ت 236هـ) فكان (( إذا اجتمع بالمازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي تشاغل، وبادر بالخروج خوف أن يسأله مسألة في النحو ) ) (3) ، ومثل هذا صنيع أبي علي الدينوري (ت 289هـ) مع الأخفش الأوسط (ت 215هـ) ، فـ (( لمّا قدم علي بن سليمان الأخفش مصر خرج عنها أبو علي الدينوري ثم عاد إليها بعد خروج الأخفش إلى بغداد ) ) (4) .

ومن غريب مواقف العلماء من النقد النحوي أنك تجد علماء يفعلون العكس من الذين تعرضنا لبعض سيرهم، فمنهم من يرى في الإصرار على الخطأ مفازة أخرى، فهم كمن ذكرنا من العلماء، ينظرون إلى الخطأ على أنه منقصة لا تليق بهم؛ ففي الخطأ ذهاب للعلم والمروءة، ولا هيبة لمن كان كثير الخطأ، لكن مواقفهم تختلف عن مواقف أولئك بأنهم لا يحتالون لأنفسهم بحيلة مشروعة؛ وإنما حيلتهم الإصرار على الخطأ، لاعلى أساس أنه خطأ؛ بل على أساس أنه وجه من وجوه الصواب اتبعوه، وكل ذلك لطلب الخلاص من سهام النقد، من هؤلاء العلماء إبن الأفليلي (ت441 هـ) (5) فقد كان (( غيورًا على ما يحمل من ذلك الفن، كثير الحسد فيه، راكبًا رأسه في الخطأ البيّن إذا تقلّده، أو نشّب فيه يُجادل عنه، ولا يصرفه صارف عنه ) ) (6) .

وممن عُرف بهذا المذهب ابن مضاء القرطبي (ت 592هـ) ؛ وهو يرى في نفسه ما لا يراه

في غيره، وقد وضع في جمهور النحاة كتابًا خالفهم فيه، سمّاه: (( تنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان، وناقضه في هذا التأليف ابن خروف [ت 609هـ] (7) بكتاب سمّاه: تنزيه أئمة النحو، عما نُسب

إليهم من الخطأ والسهو، ولما بلغه ذلك قال: نحن لا نبالي بالكباش النطّاحة، وتعارضنا أبناء

ـــــــــــــ

[1] الإيضاح في علل النحو: 66.

(2) مجالس العلماء للزجاجي: 119 ... 0

(3) بغية الوعاة: 1/ 606 0

(4) طبقات النحويين واللغويين: 215.

(5) هو إبراهيم بن محمد بن زكريا بن مفرّج الزهري القرشي، يُكنى بأبي القاسم ويعرف بابن الأفليلي، كان عالمًا بالنحو واللغة، حدث عن أبي بكر الزبيدي، وله: (شرح ديوان المتنبي) 0 ينظر: بغية الوعاة:1/ 426.

(6) معجم الأدباء: 2/ 4، وانظر: بغية الوعاة:1/ 426.

(7) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الأندلسي المعروف بابن خروف، كان من أئمة العربية ومتقدميها، أخذ النحو عن الخدب، وله على العلماء ردود كثيرة سنعرض بها ثبتًا في الفصل الثاني من الباب الأول. ينظر: بغية الوعاة: 2/ 203.

(1) ينظر: المصدر نفسه:2/ 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت