الصفحة 181 من 416

تصدرت قضية (العامل) مسائل (الرد على النحاة) وكانت المحور الأساس في إدارة جبهة الخلاف ضدّهم، إذ نفذ إبن مضاء من خلالها إلى التبعات المترتبة على حقيقة وجودها في النحو؛ من ذلك (باب الاشتغال) قال ابن مضاء معلِّقًا على هذا الباب: (( من الأبواب التي يُظنّ أنها تُعسر على مَنْ أراد تفهيمها أو تفهمها، لأنها موضوع عامل ومعمول ) ) [1] . وقد رأى أن النحاة ينقسمون في حقيقة القول بعمل العوامل على قسمين؛ وقد تمثّل القسم الأول منهما بقول سيبويه: (( وإنما ذكرتُ لك ثمانية مجارٍ لأ فرّق بين ما يدخله ضربٌ من هذه الأربعة لما يحدث فيه العامل - وليس شيءٌ منها إلا وهو يزول عنه - وبين ما يُبنى عليه الحرف بناءً لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك من العوامل ) ) [2] ، ثم قال معلِّقًا على هذه العبارة: (( فظاهر هذا أن العامل أحدث الإعراب؛ وذلك بيّن الفساد ) ) [3] ، ثم تمثّل القسم الثاني بقول ابن جنّي؛ فقال: (( وقد صرّح بخلاف ذلك أبو الفتح بن جنّي وغيره، قال أبو الفتح في خصائصه، بعد كلام في العوامل اللفظية والعوامل المعنوية: (( وأمّا في الحقيقة ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجرّ والجزم، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيٌ غيره ) ) [4] ، فأكّد المتكلّم بنفسه ليرفع الاحتمال، ثم زاد تأكيدًا بقوله: (( لا لشيءٍ غيره ) ). وهذا قول المعتزلة. وأما مذهب أهل الحق فإن هذه الأصوات إنما هي من فعل الله تعالى، وإنما تُنسب إليه كما ينسب إليه سائر أفعاله الاختيارية. وأما القول بأن الألفاظ يُحدث بعضها بعضًا فباطل عقلًا وشرعًا، لا يقول به أحد من العقلاء )) [5] . غير أن ابن مضاء أبى إلا أن يحمل مصطلح العمل على ظاهره، وما تصوّر أحد من النحاة أن (إن) و (لم) و (مَنْ) ونحوها يمكن أن تُحدث شيئًا بنفسها وإنما عنوا أنها إذا وجدت في تركيب لغوي اقتضت نوعًا معينًا من العلامات في الذي يليها، والمتكلّم هو الذي يفعل ذلك على وفق قوانين اللغة المُتعارف عليها لا عن هوى نفسه، فأمّا العوامل فلا تعدو أن تكون سببًا وليست علّة مؤثرة بذاتها [6] ، علمًا أن ابن مضاء نفسه يعترف بوجود هذه العلاقة بين الألفاظ داخل التراكيب اللغوية، كقوله في (باب الاشتغال) : (( وإذا قلت:(زيدًا فاضرِبْه) فلا يجوز في (زيد) إلا النصب، ولا يجوز فيه الرفع على الابتداء، كما يجوز في (زيدُ فاضرِبْه) ، فإن جُعل خبر مبتدإٍ محذوفٍ جاز، كأنه قال: (هذا زيدٌ فاضرِبْه) ، ولا يجوز (زيدٌ فاضرِبْه) على أن يكون (زيد) مبتدأً، و (اضربْه) خبره، كما لا يجوز (زيد فمنطلق ) )) [7] .

(1) كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 13.

(2) الرد على النحاة: 77.

(3) ينظر: الخصائص: 109 - 110.

(4) الرد على النحاة: 77 - 78.

(5) ينظر: أبو الحسين بن الطراوة وأثره في النحو: 72.

(6) الرد على النحاة: 104.

(7) ينظر: أبو الحسن بن الطراوة وأثره في النحو: 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت