الصفحة 182 من 416

وإن من يتتبع كتاب سيبويه يجد أن (العامل) مصطلح يراد به التعبير عن العلاقات بين أجزاء التركيب، إذ العامل نظرية يُتمثّل بها طريقة النظم في الجملة العربية، وأساس هذه النظرية أنه إذا كان أحد أجزاء التركيب يطلبُ جزءًا آخر فيه من حيث المعنى فإنه يتشبّث به لفظًا، فالمقصود من القول بالعامل هو بيان الإرتباط والتعلّق بين أجزاء التركيب، ثم ما ينشأ عن هذا التعلّق من أثر [1] ، فنعلم بذلك أن ابن جنّي لم يُخالف سيبويه في ماهيّة العامل في ضوء هذا المفهوم خلافًا لما ذهب إليه ابن مضاء، لأنه قال: (( وإنما قال النحويّون: عامل لفظيّ، وعامل معنوي؛ لِيرُوك أن بعض العمل يأتي مسببًا عن لفظ يصحبه؛ كمررتُ بزيدٍ، وليت عمرًا قائمٌ، وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظٍ يتعلّق به؛ كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم؛ هذا ظاهر الأمر [كما يظهر للناس] ، وعليه صفحة القول. فأمّا في الحقيقة ومحصول الحديث [عند النحاة] ، فالعمل من الرفع والنصب والجرّ والجزم إنما هو للمتكلّم نفسه، لا لشيء غيره. وإنما قالوا: لفظيّ ومعنويّ لمّا ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامّة اللفظ للفظ، أو باشتمال المعنى على اللفظ، وهو واضح ) ) [2] . فكيف يكون ابن جنّي مخالفًا لسيبويه! وهو في نصّه هذا قد عضد قول سيبويه وشرحه على الوجه الذي تقدّم، فلو أن سيبويه ينسب العمل إلى الألفاظ ما احتاج أن يضيف إليها عوامل معنوية كعامل الابتداء الذي ينكره ابن مضاء كما ينكره غيره من العوامل، قال سيبويه عن هذا العامل: (( هذا باب من الاستفهام يكون الاسم فيه رفعًا؛ لأنك تبتدئه لتنبّه المخاطب، ثم تستفهم بعد ذلك، وذلك قولك: زيدٌ كم مرة رأيته، وعبد الله هل لقيته، وعمرٌ هلاّ لقيته، وكذلك سائر حروف الاستفهام، فالعامل

فيه الابتداء )) [3] . وعامل الابتداء يُراد به أن تكون كلمةٌ على حالٍ لا تكون مطلوبة من كلمة أخرى قبلها أو بعدها وحينئذ تأخذ حكم الرفع، فيُقال: إن العامل هو الابتداء، ثم دللّ سيبويه في إثر نصّه المتقدم على عدم الطلب في (( أنك لو قلت: أرأيت زيدًا هل لقيته؟ كان(أرأيت) هو العامل )) [4] ، يريد أن الفعل الواقع بعد (هل) لا يطلب المتقدم، لأنه لو كان يطلبه لما أثّر فيه العامل (رأيت) . قال الدكتور محمد إبراهيم البنّا: (( وهذا من أبدع ما قاله سيبويه على أن هذه الكلمة غير مطلوبة لِما بعدها، بل هي الطالبة له؛ وإذا كان الاسم المبتدأ به بهذه المثابة فما بعده مبنيٌّ عليه؛ وقد اصطلحوا على أن يقولوا: إن العامل فيه الابتداء. وهو عبارة عن أنه غير مطلوب أو غير متعلّق بشيء قبله أو بعده، وما كان سيبويه أو مَنْ خلفه من النحاة يعتقد أن شيئًا اسمه الابتداء يعمل! ولكنهم هكذا اصطلحوا، ولا مشّاحة في الاصطلاح، وكأن طالبًا سأل في أول الأمر عن الذي عَمِل النصب في

(1) الخصائص: 1/ 109 - 110.

(2) كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 127

(3) المصدر نفسه.

(4) التوبة: من الآية: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت