فهرس الكتاب
في وقته، حتى أنه لايريد أن يتصوّر أن أحدًا يستطيع القيام بأعباء هذا العلم لوحده؛ ويؤخذ بقوله كله دون أن يُرد عليه شيء منه. إذًا فنشوء المذهب في ضوء هذا الإحتمال يعني أنه قد يجتمع على إرساء أصوله أكثر من عالم، قال ابن السِّيْد: (( لأن في كل علم المتقدم والمتأخر والقوي والضعيف ) ) [1] ، وهذا ما اتفق للمذهب الكوفي على يد الكسائي والفرّاء [2] . وكلما اتسعت دائرة المتابعة اتسعت دائرة المذهب، وهذا فرق ثالث بين المذاهب الفردية ومذهب الجماعة في أنها تحتمل الصحة والخطأ ـ كما تقدم من قول يونس ـ بخلافه، لأنهم لايجمعون إلاعلى مارأوه صحيحًا أو اعتقدوا صحتة، بل ويكون إجماعهم عليه حجّه على من خالفهم.
الثاني: أن يتمثّل النحاة أحد المذاهب الفردية فيتخذوه مذهبًا لهم، وهذا أيضًا يعتمد في تحققه على مبدأ المتابعة. قال ابن جنّي: (( فإن أباعثمان [المازني] قدوة وحجّة ) ) [3] ، فمذهب العالم متى صادف قبولًا لدي غيره من العلماء أُخذ به وتوبع عليه وصار مذهبه يمثل مذهب الجماعة من العلماء ممن تابعه وقلّده، وهذا مااتفق للمذهب البصري على يد سيبويه يوم صار مذهبه يمثل مذهب البصريين وكتابه دستورهم. وإذا لم يفلح العالم في تحقيق هذا القدر من الاتباع بقي مذهبه مذهبًا فرديًا كمذهب ابن مضاء القرطبي، وقد جاء بنهج مخالف لنهج النحاة وأصول غير التي لديهم [4] ، لكن المتابعة لم تقيّض له أنصارًا يأخذون بقوله ويتبعون منهجه، فبقي مذهبه مذهبًا شخصيًا لايعبّر بحالٍ عن جماعة من العلماء، ومتى وقعت المتابعة اتسعت دائرة المذهب، وصار مذهبًا للجماعة من العلماء. وهنا تكمن نقطة التحوّل.
إن المتابعة التي يتوقف عليها تحقق هذين الاحتمالين الواردين تعدّ مبدءًا أساسيًا في نشوء المذاهب، وهي تقوم على ركيزتين:
الأولى: اعتقاد الصحة في مذهب المتبوع، حتى وإن كان ماذهب إليه خطأ من الأخطاء على وفق القياسات المعتبرة.
الثاني: الإجماع على صحة ما تتوبع عليه. وهذه الركيزة مترتبة في وقوعها على الركيزة الأولى وتكون بسبب منها، فيقع عندها الإجماع وتتسع دائرة الإتفاق. فإذا تمت إمارات المتابعة للمذهب حُكم على صحة وجوده أونفيه بها.
أما الجوانب التي تعكس حالة الوفاق بين علماء المذهب تحقيقًا لمبدأ المتابعة ـ كما يرى الدكتور فاضل صالح السامرائي [5] ـ يمكن تلمسها في الجوانب الآتية:
(1) ينظر: مدرسة الكوفة: 74.
(2) المنصف: 530.
(3) ينظر: المدارس النحوية (الورد) : 37 وما بعدها.
(4) ينظر: الدارسات النحوية والغوية عند الزمخشري:314 ـ 316.
(5) البحث اللغوي عند العرب:133.