الصفحة 203 من 416

توحي عبارة: (مذهب يونس) الدلالة التي توحيها عبارة: (مذهب البصريين) ، فمذهب الفرد ليس كمذهب الجماعة، وسنقف على فرق مابين هاتين العبارتين بعد أن نتعرف على المبادئ الأساسية التي تكون شرطًا في نشوء المذاهب الجماعية وقيامها. قبل ذلك رأيت أنه من الضروري التنبيه على أمر هام هو أن المذهب لايعني العلم إنما يعني أحد الاتجاهات التي تنضوي تحت مضلة العلم، كذلك فان العلم لايعني الاتجاه ولايعني المذهب، لكنه ـ كما قلنا ـ يشتمل على مجموعة من الاتجاهات والمذاهب التي تتبنى حقائقه، وفرق بين مَنْ يضع أسس العلم ويمهد الطريق فيه؛ وبين من يشرِّع أصوله ويبسط مسائله؛ وبين من يؤسس إتجاهًا فيه، وتقريب ذلك أن أحدًا لم يقل أن أبا الأسود الدؤلي مؤسس المذهب البصري، كذلك فان أحدًا لم يقل أن الخليل بن أحمد الفراهيدي مكتشف علم النحو وممهد الطريق إليه، ولم يقل أحد أن سيبويه هو واضع علم النحو ومشرّع أصوله، إنما قيل: إن أبا الأسود الدؤلي هو واضع أبجديات علم النحو وممهد الطريق إليه [1] ، وإن الخليل بن أحمد متمم كلّيّات هذا العلم ومشرّع أصوله [2] ، وإن سيبويه مؤسس المذهب البصري وباسط قوانينه [3] ، وفرق بين هذا وذاك. ولما كان نشوء المذهب متوقفًا بالدرجة الأساس على نشوء العلم ولابد للعلم من أن يمربمرحلة هي بين النشأة وطورالنضج؛ فلابد إذا أن تسبق ظهورالمذاهب مدة غير قليلة لابد للعلم من أن يقطعها كأحد مراحل نضجه الحتمية، وإنا وإذ ننص على المرحلة التي تسبق ظهورالمذاهب، فاننا ننص على أثرالمذاهب الفردية في توطيد دعائم العلم في هذه المرحلة. وهذا فرق أول بين

وصف المذهب كونه أثرًا فرديًا وبين وصفه كونه أثرًا جماعيًا، فلابد أن تسبق المذاهب الفردية مذهب الجماعة في الظهور، وإذا كان ذلك فلا بد أن تكون هذه المذاهب الفردية هي السبب الرئيس في نشوء المذهب الجماعي، ولاعكس. وهذا فرق ثانٍ بينهما. لكن السؤال هنا هو: كيف تحولت هذه المذاهب الفردية إلى مذهب جماعي موحّد؟.

إن تفسير تحول المذاهب الفردية إلى مذهب جماعي موحّد لايتعدي أحد احتمالين، هما:

الأول: إما أن يكون المذهب النحوي لجماعة العلماء جاء نتيجةً لتلاقح المذاهب الفردية لعموم علماء المذهب، بعد أن تكاملت آراؤهم الصحيحة بأن تابع ووافق بعضهم بعضًا عليها، بعد أن استبعدوا ما لايرقى إلى درجة الصحة. وقد صوّر يونس بن حبيب ذلك بقوله: (( لوكان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد لكان ينبغي لقول أبي عمرو أن يؤخذ كله، ولكن ليس من أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك ) ) [4] . فيونس إذ يشهد تطور أبحاث النحو ينطلق بقوله هذا من فهم واقعي لطبيعة الدرس النحوي

(1) مناهج البحث النحوي، محاظرة للدكتور عبد الفتاح شلبي منشورة ضمن كتاب (الاتجاهات الحديثة في النحو) :68.

(2) ينظر: مدرسة الكوفة: 375.

(3) طبقات النحويين واللغويين:35.

(4) الحلل في إصلاح الخلل: 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت