فهرس الكتاب
متفرعة عن هذه يعسر حصرها، إذ يكاد يكون لكل إمام مذهب يُخالف فيه غيره، ولو من بعض الوجوه. فلسيبويه مثلًا: آراء يُخالف فيها أشياخه وللأخفش آراء يخالف فيها سيبويه وسائر البصريّة، وقد ألّف المبرد ـ وهو بصري النزعة ـ كتابًا في الرد على سيبويه، وللفراء مذهب ينحرف فيه عن مذهب الكسائي في غير ما موطن، وهكذا نجد لكل علم من أعلام العربية آراء ينفرد بها، تكثر أو تقل بمقدار ما أوتيه من بسطة في العلم وبراعة في الابداع، ولكن مرجع ذلك كله إلى الأمّات الأربع )) [1] .
والتمس الشيخ محمد الطنأوي هذه المذاهب الخاصة لدى بعض علماء البصرة والكوفة، أما ما كان من علماء الأمصار فلم يعدّها مذهبًا موحدًا بل عدّها بالجملة مذاهب شخصية متفرقة، بل وملفقة. قال: (( ولو أن الخلاف النحوي أغلق بابه بعد البصري والكوفي على مابه في مناحيه المختلفة المضطربة لهان الخطب، ولكنه تشعب مسالكه بعدهما، فكان المذهب البغدادي والاندلسي وغيرهما من المذاهب الشخصية الخاصة الملفقة مما أجهد النحوي وأنصبه، على أنه في خلال هذه المذاهب الرئيسة خرج الكثير من علمائها عليها فلم يقف عند إجماعٍ، وسبق في ترجمة الأخفش والمبرد ماتعرفت منه خروجهما على المذهبين البصري والكوفي ) ) [2] .
وذهب الدكتور إبراهيم السامرائي إلى ماهو أبعد من ذلك، بل إلى نقيض ذلك حين رأى مع تنوع المذاهب الشخصية وتعددها أن يلغي مذاهب النحو جملةً بحجّة أن النحو واحد بلا مذاهب ولاتفريعات، وأن مسألة التمذهب من مبتدعات أصحاب الخلاف [3] فا نتهى أخيرًا إلى القول: (( ومن المفيد أن أقول أن كلمة (( مذهب ) )وردت في الكلام على الخلاف النحوي فقالوا: مذهب البصريين كما قالوا مذهب الكوفيين ومذهب البغداديين وغيرهم، وقد تكون كلمة (مذهب) قد أُطلقت على الطريقة التي سارعليها أحد النحاة كما قالو مثلًا: ومذهب سيبويه، أو كقولهم: ومذهب الاخفش والفرّاء )) [4] . وقال: (( إن للكوفيين آراء في النحو ونظرًا يختلف عن آراء غيرهم نلمسه عند االكسائي والفرّاء وثعلب، ومجموع هذه الآراء قد اتسع فيها القدماء فأسموها مذهب الكوفين، وتجاوز المحدثون هذا الحد فاسموها مدرسة، وهي لاتعدو أن تكون نظرًا آخر لاينقض الاصول [التي عليها البصريون] بل يعلق بالفروع ) ) [5] .
ولست أرى مايدعو إلى هذا التناقض إذا تمّ لنا التفريق بين مفهوم المذهب بوصفه أثر فردي (منهج شخصي) كأن يُقال: (مذهب يونس) أو (مذهب سيبويه) أو (مذهب المازني) [6] ، وبين مفهوم المذهب بوصفه أثر جماعي، كأن يُقال: (مذهب البصريين) أو (مذهب الكوفيين) [7] ،إذ لا
(1) نشأة النحو وتأريخ أشهر النحاة:152ـ 153.
(2) ينظر: المدارس النحوية (الورد) : 54 و 58.
(3) المدارس النحوية (الورد) : 13.
(4) المصدر نفسه: 146 - 147.
(5) ينظر أخبار أبي القاسم الزجاجي:190.
(6) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 152 - 153.
(7) ينظر: المدارس النحوية (السامرائي) :10