الصفحة 201 من 416

ينطوي عليها مصطلح المذهب، فالآراء متسببةٌ عن عقيدة ومنهج، وقد أوضح ذلك إبن جنّي حال تفريقه بين (الكلام) و (القول) ، إذ قال: (( أما(الكلام) فكل لفظ مستقل بنفسه، مفيدٍ لمعناه. وهو الذي يسميه النحويون الجُمل ... وأما القول فأصله أنه كل لفظ مَذِل به اللسان، تامًا كان أو ناقصًا ... فكل كلام قول، وليس كل قول كلامًا. هذا أصله. ثم يُتسع فيه، فيوضع القول على الاعتقادات والآراء؛ وذلك نحو قولك: فلان يقول بقول أبي حنيفة، ويذهب إلى قول مالك، ونحو ذلك، أي يعتقد ماكانا يريانه ويقولان به، لا أنه يحكى لفظهما بعنيه من غير تغيير لشيء من حروفه، ألا ترى أنك لو سألت رجلًا عن علّة رفع زيد، من نحو قولنا: زيدٌ قامَ أخوه، فقال لك: إرتفع بإلابتداء، لقلت: هذا قول البصريين. ولو قال: إرتفع بما يعود عليه من ذكره، لقلت: هذا قول الكوفيين، أي هذا رأي هؤلاء، وهذا إعتقاد هؤلاء. ولاتقول: كلام البصريين، ولا كلام الكوفيين؛ إلا أن تضع الكلام موضع القول، متجوزًا بذلك. وكذلك لو قلت: إرتفع لأن عليه عائدًا من بعده ... لقلت في جميعه: هذا قول الكوفيين، ولم تحفل باختلاف ألفاظه؛ لأنك إنما تريد إعتقادهم لا نفس حروفهم )) [1] ، ثم قال في علّة أن يُعبَّر بالقول عن الرأي والعقيدة: (( فأمّا تجوّزهم في تسميتهم الاعتقادت والآراء قولًا فلأن الاعتقاد يخفى فلا يُعرف إلا بالقول أو بما يقوم مقام القول: من شاهد الحال؛ فلما كانت لاتظهر إلا بالقول سُمّيت قولًا، إذ كانت سببًا له، وكان القول دليلًا عليها؛ كما يُسمّى الشيء باسم غيره إذا كان ملابسًا له ) ) [2] .

نخلص مما سبق: أن لفظ (المذهب) أكثر مايُراد به معنى (الرأي) . والرأي منبعث عن عقيدة ومنهج، فإذا قيل: (على مذهب سيبويه) أو (على مذهب البصريين) فالمراد: على رأي سيبويه ورأي البصريين؛ حتى وأن قُصد بذا اللفظ منهج سبيويه أوعقيدة البصريين، فلابّد أن يُعبَّر عن هذه الجوانب بالرأي ـ كما تقدم من كلام إبن جنّي ـ للملابسة الواقعة بينهما؛ وهو يظهر (أي الرأي) لأنه قول ولا تظهر هي (العقائد والمناهج) لأنها معاني، وهي مقدمات يُراد بها نتائجها (الآراء) .

لكن السؤال هنا: هل توحي عبارة: (مذهب سيبويه) بعدّه أثرًا فرديًا، ماتوحيه عبارة: (مذهب البصريين) بعدّه أثرًا جماعيًا؟.

من المعلوم أن المذاهب النحوية لم تأت من فراغ، إنما تمخضت عنها ظروف معينة قد تكون خاصة إلى حد لانستطيع أن نقف معها على ملابسات الحدث العلمي الذي شهد ولادتها، حتى أن بعض من يعوّل عليه في يومنا هذا كالدكتور طه الراوي أخذته الحيرة من أمرها، ورأى في زحمة هذه المناهج ـ كما يصوّرها هو كذلك ـ أن يقسّم النحاة على أربعة مذاهب، جعل إثنان منها أمّات، وهما المذهب البصري والمذهب الكوفي وألحق بها مذهبين جعلهما فروعًا على تلك الامّات، وهما: البغدادي فرع الكوفي، والأندلسي فرع البصري [3] ، ثم قال: (( هذه هي أمهات المذاهب في العلم، وهناك مذاهب

(1) المصدر نفسه:1/ 19.

(2) ينظر: نظرات في اللغة والنحو:8ـ 11.

(3) المصدر نفسه:11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت