الصفحة 206 من 416

الباحث. بقي أن نعرف أن مذهب الجماعة إن عني بحشد الآراء الصحيحة؛ فهو يُعنى أكثر بتشتيت الآراء المخالفة والخاطئة، فأخطاء العلماء لاتحسب على مذهبهم أوعلى علماء مذهبين بحكم الانتماء، هذا فرق جوهري بين مذهب العالم ومذهب الجماعة من العلماء، فإذا اجتهد العالم فأصاب فله ولمذهبه، وإذا إجتهد وأخطأ رُدَّ خطؤه عليه حتى ولوكان مؤسس المذهب نفسه، وليس على مذهبه أوعلماء مذهبه شيء مما يرى، إلا أن يكون المذهب نفسه مبني من الأساس على تصوّر خاطىء ففي هذه الحالة يكون الخطأ شركة بين أتباع المذهب، ولكن هذا الاحتمال بعيد، فالمذاهب لاتنشأ هكذا غفلة على سذاجة من يتصوّر. إذا فتطرق الأخطاء إلى المذاهب الفردية سمة فارقة بينها ويبن مذهب الجماعة الذي هو مذهب منتخب من وجهات نظرصائبة أو يُعتقد صوابها. والمذهب بهذا الوصف مجموعة آراء لامجموعة علماء. وهذه الآراء شاهد على أثرين:

الأول: أثر جماعي: فالمذهب وإن نشأ عن مجموع المذاهب الفردية، إلا أن وحدة العقيدة فيه، ووحدة الطريقة والمنهج ووحدة المصطلحات أصبحت تمثل المذهب بأصحابه قبل أن تمثل أيٍّ من أصحابه، ومالمذهب إلا عصارة ماانتهى علماء المذهب إليه من آراء. ما صحَّ منها نسب إليه ومالم يصحُّ نُسب إلى أصحابه.

الثاني: أثري فردي: فالأسس التي يقوم عليها المذهب وإن أصبحت واجهة لمذهب الجماعة لم يكن ذلك على حساب مذاهب العلماء فيه (آراؤهم واجتهاداتهم) ، فمذهب العالم في مذهب جماعته يبدو في أمرين: أحدهما؛ الحرية المطلقة في متابعة جمهور المذهب أو الامساك عن ذلك، فالعالم إلّم يشذ عن جمهور مذهبه ورضي بالمتابعة فله فضل الموافقة في ذلك. والآخر؛ إنه إن آثر المخالفة على الاتّباع فله حرية الاجتهاد، وماالخلافات التي تقوم بين علماء المذهب إلا آية ذلك، وليست هذه الخلافات

علامة ضعف بل هي دليل قوة. قال إبن جنّي: (( وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة. فكل من فُرق له عن علّةٍ صحيحةٍ، وطريقٍ نهجةٍ كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره ) ) [1] . وقال: (( وإنما لم يكن فيه قطع لأن للأنسان أن يرتجل من المذاهب مايدعو إليه القياس، مالم يلْوِ بنصٍّ أو ينتهك حرمة شرع .. ) ) [2] ، وماعاب العلماء إتخاذ أحدهم مذهبًا خاصًا مستحدثًا متى كان مستنده قويًا، فان المذاهب مبنية على ظنون قوية فقط [3] .

وإذا كانت المتابعة مبدأً أساسيًا في نشوء المذاهب وقيامها فن المخالفة تعدّ مبدأً أساسيًا في تعددها. قال أبو سعيد السيرافي: (( فالاختلاف في الرأي والنظر، والبحث والمسألة والجواب سنخٌ [أي أصل] وطبيعة، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع هذا الخلاف أو يحلحله أو يؤثِّر فيه، هيهات

(1) المصدر نفسه: 1/ 189.

(2) ينظر: نشأة النحو: 153.

(3) معجم الادباء: 8/ 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت