فهرس الكتاب
هذا محال )) [1] . والغاية الرئيسة في نهج مبدأ المخالفة المطلقة أو شبه المطلقة مع المذاهب الآخرى هو لتبني حقائق هذا العلم على حساب تلك المذاهب. قال صاحب (التعريفات) : (( الصواب: خلاف الخطأ. وهما يستعملان في المجتهدات ... حتى إذا سُئلنا في مذهبنا ومذهب من خالفنا في الفروع، يجب علينا أن نجيب بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب من خالفنا خطأ يحتمل الصواب ) ) [2] . أما الخلاف حول الأصول فيتعدى ذلك، إذ يرى أتباع كل مذهب أن إتِّباع مذهب الخصم وإعتناق أصوله في مقابل التخلي عن أصول مذهبهم فيه ضياع العلم وفساده [3] ، وهم إذ يحرصون على أصول مذهبهم فإنما يحرصون على العلم، وما دام الخلاف مبدأً أساسيًا في تعدد المذاهب، فلا يعني أن كل خلاف نحوي هذا حدّه، فهذا المبدأ لا ينطوي على كل خلاف، وإذا كان ذلك فلابد لنا من التمييز بين أنواع الخلاف ليتسنى لنا التفريق بينها، وبين الاغراض التي ينتهي إليه كل نوع منها. فالخلاف النحوي ينقسم على ثلاثة أنواع [4] ، هي:
1ـ خلاف نسبي، هو الخلاف الذي يقع بين علماء المذهب الواحد، كالذي وقع بين المبرد وسبيوبه أو بين سيبوبه وغيره من البصريين كالأخفش والمازني والجرمي .. وهذا الخلاف خلاف اجتهاد يقع في الفروع ولايمسّ الأصول، بل هو إنما يقع لتعزيز الأصول وتصحيحها، وكونه يقع في الفروع دون الأصول فهو خلاف نسبي لا مطلق، فالذي يسوّغ وجوده بين علماء المذهب هو نسبيته، وأنه يقع في الفروع دون الأصول، (( ولاينافي ذلك أن بعض البصريين قد يميل إلى المذهب الكوفي في بعض المسائل لما انقدح في ذهنه، وقد عرفتَ في ترجمة الاخفش أنه أكثر البصريين موافقة للكوفيين ... كما أن بعض الكوفيين قد يرى المذهب البصري في بعضها أيضًا لمثل ذلك ) ) [5] فهذا لايعدّ خروجًا عن أصول المذهب، ولايعني أنه إعتناق لأصول المذهب الآخر أو حتى خلطها. فالأمر هنا يتعلق بالفروع وليس بالأصول.
2 -خلاف خاص، وهو الذي يقع بين علماء المذهبين البصري والكوفي، وهو خلاف مطلق أو شبه مطلق، لانه يقع في الأصول فضلًا عن الفروع، وآيته ما جُمع في كتب الخلاف النحوي من مسائل وقعت بين المذهبين البصري والكوفي. أما مبررات وقوع هذا النوع الخلافي فهو لاختلاف أصول المذهبين عن بعضهما بعضًا كما تقدم.
(1) التعريفات: 111.
(2) ينظر في ذلك ـ مثلًا ـ تعليق أبي البركات الانباري على المسألة (63) من مسائل (الإنصاف) : 2/ 456، وقول إبن السرّاج في (الأصول في النحو) : 1/ 56، وتعليق إبن برِّي على بعض آراء الحسن بن صافي في (ملك النحاة حياته وشعر ومسائله العشر) : 114و 127.
(3) ينظر: مسائل خلافية في النحو (مقدمة المحقق) : 15 - 16، وتسمية هذه الأنواع من اجتهاد الباحث.
(4) نشأة النحو:150.
(5) ملك النحاة حياته وشعره ومسائله العشر: 107.