فهرس الكتاب
3ـ خلاف عام، وهو الذي يقع بين العلماء بعامّتهم بغض النظر عن إنتماءاتهم المذهبية، كاالذي نجده في المسائل الخمسة عشر الأولى من كتاب (التبيين .. ) للعكبرِّي، وكنا قد أشرنا إلى طائفة منها في كتب النقد النحوي المطبوعة التي تم عرضها في الفصل الثاني من الباب الأول، كاختلاف النحاة حول إسمية (ليس) وفعليتها قال إبن برِّي: (( وقد حُكي عن أبي بكر بن السرّاج على مكانته في هذا العلم أنه أقام أربعين سنة يتردد في(ليس) هل هي فعل أو حرف )) [1] .
إن الخلاف العام بين النحاة ورث النحاة أغلبه عن المرحلة التي سبقت ظهور المذاهب النحوية، ولم تستطيع المذاهب النحوية بعد قيامها أن تحتويها أو أن تقول قولًا فيها، فبقيت هذه المسائل متذبذبة لاتركن إلى جانب ولا تستقرعلى حال؛ تتجاذبها إجتهادات العلماء عبر الأجيال، وهذا يفسّر حتمية وجودها داخل المذهب، إذ لم تحظَ بإجماع الآراء في توجيهها ولم تتفق وجهات النظر حولها. إذا فوجود خلاف نحوي داخل المذهب (بين علماء المذهب) لاينفي فكرة وجود مذهب موحّد يجمعهم، كما أن فكرة وجود مذهب موحّد لا تلغي فكرة تعدد المذاهب الشخصية فيه مادامت هذه المذاهب الشخصية لايتجاوز إجتهاد أصحابها في الغالب الفروع، ولا يصح بحال أن تُحمل هذه المذاهب الشخصية على ما يُحمل عليه مذهب الجماعة، فمذهب الفرد في مذهب جماعته لايمكن أن يكونا باعتبار واحد، وقد قدمنا من الأدلة على ذلك ما يغني عن إعادته هاهنا، كما لايصح أن يُحمل الخلاف بين علماء المذهب حول الفروع على الخلاف الذي يقع بين المذاهب حول الأصول. وقد باتت مسألة التفريق بين أنواع الخلاف النحوي من الأهمية بمكان لاسيما وإن بعض الدراسات لاتفرق بين أنواع هذا الخلاف، وإن من أنواعه ما يكون أساسًا للقول بوجود المذاهب وتعددها، ومنها ماهو غير ذلك، مع أنها ليست بمكان فقد مرت بنا أمثلة عن بعض الدراسات التي تتعامل مع الخلاف على أنه شكل واحد ونوع واحد، من ذلك ماذهب إليه الدكتور طه الراوي وقد وجد في خلاف المبرِّد لسيبويه وفي خلاف الأخفش له ما يبر قوله: (( يكاد يكون لكل إمام مذهب يخالف فيه غيره ) ) [2] ، وإن مذاهب النحو عنده لاتعد ولا تحصى ـ وإن ردّها إلى أربعة أمّات فيما بعد ـ فحمل مذاهب الأفراد على ما يُحمل عليه مذهب الجماعة ثم حمل الخلاف الذي وقع بين سيبويه وشيوخ البصرة - وهو خلاف نسبي - على الخلاف المطلق الذي يقع بين المذاهب الرئيسة في النحو، فجعل كل إمام من أئمة النحو مذهبًا قائمًا بنفسه! أما الأستاذ سعيد الأفغاني فقد حمله عدم التمييز بين أنواع الخلاف إلى نفي المذاهب جملةً، وارتضى تقسيمهم على أساس بلدانهم. قال: (( درج العلماء على أن هناك مذهبًا بصريًا وآخر كوفيًا. فما معالم كل من المذهبين؟ هذه الميزات والمعالم الآتية بعد ليست جامعة مانعة. فليس هناك قاعدة، أجمع عليها نحاة البصرة وتوارد
(1) نظرات في اللغة النحو:10 ـ 11.
(2) في أصول النحو: 195 ـ 196.