الصفحة 209 من 416

على معارضتها نحاة الكوفة، أو قال بها الآخرون جميعًا وعارضها الأولون جميعًا )) [1] . إذًا فالأستاذ سعيد الأفغاني يرتضي تقسيم العلماء على أساس أمصارهم لأنه يرى أن البصريين أو الكوفيين لايجمعون على شيء بحال إلا واختلفوا فيه. وهذا قصور واضح في التفريق بين أنواع الخلاف. ولنا أن نسأله في ذلك: إذا كان الأساس للقول بوجود المذاهب أو نفيها مشروط بالموافقة المطلقة بين عموم علمائه فمتي يكون الاجتهاد؟ وكيف تتباين وجهات النظر؟ وما هو وجه الاجتهاد المسموح به بالنسبة لعلماء المذهب؟. إنّا وإذْ ننص على أن الخلاف الذي يقع بين علماء المذهب لابد أن يكون نسبيًا، لم ننظر في حكمنا هذا الى حجم المسائل المختلف فيها، إنما حكمنا بنسبيتها بالنظر إلى نوعها لاحجمها، إذًا فليختلف العلماء في مئات الفروع ولا يختلفون في أصل أو أصلين. فلابد إذًا أن ننظر في نوع الخلاف لا في حجمه.

النحو، ومرحلة ما قبل التمذهب (طور النشأة والتكوين) :

إن غاية ما يُقال في المذاهب النحوية هو ما تستقل به من أصول تكون مبررًا لقيامها، وسببًا وجيهًا من أسباب وجودها، فضلًا عن أنها تكون المتكأ الرئيس لاستقلالية هذه المذاهب بعضها عن البعض الآخر. وهذه الأصول - بلاشك - منبثقة عن عقيدة لغوية مُعتزمة من علماء المذهب، وقد تُرجمت على شكل قواعد هدفها تنظيم الإطار العام للاحتجاج النحوي لعلماء المذهب؛ وإرساء ضوابط الاستدلال بها، فالذي يبرر وجود الأصول ـ إذًا ـ هو وجود الأدلة، فضلًا عن وضوح المنهج المتبع في التعامل معها، وإذا كان تشريع الأصول على وفق مفهوم جماعي هو نتيجة حتمية لمرحلة التمذهب في العلم؛ فان إثارة مسائل الاحتجاج والاستدلال وقضايا تعدد الأدلة وبسطها وتحديد إطارها زمانًا ومكانًا هو مما تتمخض عنه مرحلة ماقبل التمذهب التي تحفل بشيوع المذاهب الشخصية فيه.

إن كل دراسة لموضوع النحو العربي ونشأته لاسيما المدة الزمنية التي عاصرت القرن الهجري الأول ستبقى دراسة مجهولة التفاصيل لفقدان الأثر. كان من نتائج ذلك أن المؤرخين إنقسموا حول واضع النحو على ثلاثة آراء [2] :

الأول: يرى أصحابه أن الأمام علي (رضي الله عنه وأرضاه) هو الواضع الأول لعلم النحو.

الثاني: يرى أصحابه أن أبا الأسود الدؤلي وحده هو الذي وضع علم النحو.

الثالث: يرى أصحابه أن أبا الأسود الدؤلي هو الواضع لعلم النحو بمشاركة بعض تلاميذه كنصر بن عاصم الليثي (ت 89 هـ) وعبد الرحمن بن هرمز. ومع أن النحاة إختلفوا حول شخصية الواضع الحقيقي

(1) ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 58 وما بعدها، والمدارس النحوية (للحديثي) : 57 وما بعدها، ومراكز الدارسات النحوية: 5 ـ 23.

(2) ينظر: الأصول (لتمام حسان) : 31 ـ 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت