الصفحة 210 من 416

لهذا العلم إتفقوا على أن أبا الأسود الدؤلي قام تلبية لهذا النداء وتحقيقًا لتلك الغاية بتنقيط المصحف الشريف بعلامات هي الفتحة والضمة والكسرة، والتي أصبحت فيما بعد الأثر الأول من آثار العامل في الجمل، ومع ذلك فان أبا الأسود الدؤلي لم يؤثر عنه أنه وضع أصلًا أو تحدّث به، وقد فطن تلاميذه كنصر بن عاصم وميمون الأقرن ويحيي بن يعمر (ت 129هـ) إلى التفكير في أواخر الكلمات والبحث في إختلاف المعاني المترتبة على إختلاف هذه الحركات [1] ، ومما ترتب على نظر هؤلاء في أمر هذه الحركات أن ميمون الاقرن جاوز أبا الأسود بأن (( زاد عليه في حدود العربية ) ) [2] ، ووضع نصر بن عاصم فيما ذكره السيوطي: (( كتابًا في العربية ) ) [3] ، واتفق يحيى بن يعمر مع عطاء بن أبي الأسود الدؤلي بعد موت أبيه وكان آخر من تلّمذ عليه في العربية ـ (( على بسط النحو، وتعيين أبوابه، وبعج مقاييسه ... ولما إستوفى هو ويحيى بن يعمر جزءًا متوفرًا من أبواب النحو نسب بعض الرواة إليهما أنهما أول من وضع هذا النوع ) ) [4] .

تلت هذه الطبقة طبقة عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت 117هـ) وتلميذيه أبوعمرو بن العلاء (ت 154هـ) وعيسى بن عمر (ت 149هـ) الذين إستطاعوا أن يعطوا علم النحو نقلته الفكرية حين لجأوا إلى مبدأ عقلي يُعتمد عليه في وضع القاعدة النحوية على الاستعمال الغالب؛ ذاك هو (القياس) ، فقد عُرف عن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي بأنه (( أول من بعج النحو ومدّ القياس وشرح العلل ) ) [5] ، وهو القائل: (( عليك بباب من النحو يطرد وينقاس ) ) [6] ، وقد كان من القرّاء أو من النحاة القرّاء، وكانت القواعد التي توصّل إليها تأبى على خبر المبتدأ أن يكون جملة طلبية. فلما نظر في قراءة النصب في قوله تعإلى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [7] وهي قراءة شاذة خلاف ماقرأ به القرّاء [8] ، إختارها على قراءة الرفع التي لاتتفق مع قاعدته المذكورة، فبعد أن إكتملت بيده القاعدة النحوية أصبحت في نظره معيارًا للصواب والخطأ، وصار يطعن على العرب، وقصته مع الفزردق مشهورة [9] .

(1) معجم الأدباء: 19/ 219.

(2) بغية الوعاة: 2/ 313.

(3) إنباه الرواة: 2/ 380 ـ 381.

(4) طبقات النحويين واللغويين: 31.

(5) المصدر نفسه: 32.

(6) المائدة: 5.

(7) ينظر: مختصر في شواذ القراءات:32.

(8) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 32.

(9) بغية الوعاة: 2/ 231

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت