الصفحة 211 من 416

أما أبو عمرو بن العلاء فقد كان (( أعلم الناس بالقرآن والعربية وأيام العرب والشعر، وكانت دفاتره ملئ بيت للسقف ) ) [1] ، وقد (( أقام بين البدو أربعين سنة ) ) [2] ، وكان يعتمد على مبدأ القياس كشيخه عبدالله، لكنه كان يقبل مايخرج عن حدّه على أنه لغة، فقد سأله بعضهم قائلًا: (( أخبرني عما وضعت مما سمّيته عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ قال: لا، فقال: كيف تصنع فيما خالفك فيه العرب وهم حجّة؟ قال: أعمل على الاكثر، وأسمي ما خالفني لغات ) ) [3] ، و (( كان إبن أبي إسحاق أشدّ قياسًا، وأبو عمرو أوسع علما بكلام العرب ولغتها وغريبها ) ) [4] لذلك إشتهر أبو عمرو بكثرة تسليمه لكلام العرب؛ وعُرف الحضرمي بكثرة تخطيئه لهم (( لأن كل مخالفة لهذه القواعد كانت في نظره تحديًا لهذا الهيكل البنيوي البديع الذي إهتدى إليه، وتهديدًا لطابع الصناعة والضبط الذي يتسم به هذا البناء الجديد، لهذا كان يطعن على العرب الفصحاء ـ وكان هو نفسه فصيحًا أيضًا ـ إذا خالفوا القواعد ) ) [5] . كذلك كان يفعل تلميذه عيسى بن عمر وهو ثالث الثلاثة في هذه الطبقة، وضع كتابين في النحو، سمّى الأول (الجامع) والاخر (الإكمال) وكان يختار وفقًا لهذه القواعد قراءة على ما سواها، وقد إختار قراءة النصب من قوله تعإلى: {هؤلاء بناتي هُنّ أطهر لكم} [6] . جاء في (إبناه الرواة) : (( إن عيسى بن عمر وضع كتابه على الأكثر، وبوّبه وهذّبه، وسمّى ماشذّ عن الأكثر لغات ) ) [7] ، وهذا كأنه تراجع عن نهج الحضرمي إلى نهج أبي عمرو بن العلاء. قال الدكتورعبد الهادي الفضلي: (( لعله ليس لنا إلا أن نقول بأن عيسى بن عمر في فترة حياته النحوية الأولى كان متأثرًا بمذهب إبن أبي اسحاق في التشدد بالقياس وإعتبار ماعداه غلطًا، ثم انتقل في الفترة الثانية من حياته النحوية والتي تمثلت في كتابه المشار إليه إلى مذهب أبي عمرو بن العلاء ) ) [8] .

تلت هذه الطبقة طبقة الخليل بن أحمد الفراهيدي وهي الطبقة الثالثة من طبقات النحو، ومن علماء هذه الطبقة يونس بن حبيب (ت183هـ) ، وكان دور الخليل بن أحمد ـ وهو تلميذ عيسى بن عمر ـ أكبر خطرًا وأعظم أهمية ليس بالنسبة لعلماء هذه الطبقة فحسب بل بالنسبة للنحاة جميعًا وعلى إمتداد تأريخ النحو إلى يومنا هذا، فالخليل (( هو الذي بسط النحو، ومدّ أطنابه، وسبّب علله، وفتق معانيه، وأوضح الحجاج فيه، حتى بلغ أقصى حدوده، وانتهى إلى أبعد غاية ) ) [9] ، وكان كما يقول أبو

(1) طبقات النحويين واللغويين: 39.

(2) المصدر نفسه.

(3) إبناه الرواة:2/ 105.

(4) الأصول (لتمام حسان) : 32.

(6) إبناه الرواة:2/ 375.

(7) مراكز الدراسات النحوية: 33.

(8) طبقات النحويين واللغويين: 43.

(9) نزهة الأدباء: 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت