الصفحة 23 من 416

(4) مراتب النحويين: 3.

بأنه بشر كسائر البشر، يصيب ويخطئ؛ فإن حرص في موضع أخذه الوهم في موضع آخر، وتربص به الشك دائرة، وأخذ منه الزلل مأخذه، وهذا نصيب العلماء من الاجتهاد، فمن وعى ذلك؛ أيقن أن النقد ما كان إلا ليتجاوز به العلماء ما جرّهم إليه الوهم والخطأ 0 وحسبي في ذلك أن أتمثل قول ياقوت الحموي وهو ينظر إلى العلماء نظرة لم تُتح إلا لمثله 0 قال: (( فما علمنا فيمن تقدّمنا وأمّنا من الأئمة القدماء، إلا وقد نُظم في سلك أهل الزلل، وأُخذ عليه شئ من الخطل ) ) (1) ، وممن تحلّى بهذا المذهب أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري الكوفي 0 (ت 328 أو 327 هـ) ، (( كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدًا في القرآن 000 وكان مع حفظه زاهدًا متواضعًا 000 وكان يحفظ مائة وعشرين تفسيرًا بأسانيدها ) ) (2) نّبهه أحدهم يومًا على خطأ كان قد صدر عنه في مجلس إملائه، وكانوا يهابون أن يقفوه على مثله لمحله من العلم، لكنه كان أسمح من أن يلجّ في الخطأ أو يباهت أحدًا عليه، فما كان من جوابه إذ وقف على خطأ نفسه إلا أن قال للمُستملي: (( عرّف الجماعة أنا صحّفنا الاسم الفلاني لمّا أملينا كذا في المجلس الماضي ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل، فوجدناه كما قال ) ) (3) .

قبل أن نصرف الأقلام عن وجهتها، لابدّ لي من الإشارة إلى أن إصرار بعض النحاة على مواقفهم قد لا يكون بالضرورة من باب الإصرار على الخطأ، ففي موقف سيبويه من الكسائي نظر، وفي إصرار إبن مضاء على خلافه للنحاة قول؛ لابدّ لنا من أن نجيل النظر في هذه المواقف، وان التفريق بين هذه المواقف يعني ظرورة التعرف على الموضوعات النحوية التي تناولتها، والمعايير النقدية التي وزنت بها، ثم الوقوف على الغاية من وقوع النقد فيها، للتمييز بين الاتجاهات النقدية التي خضعت لها، وهذا ما ستجيب عنه فصول الرسالة إنْ شاء الله تعالى.

ــــــــــــــــ

(1) معجم الأدباء: 1/ 57.

(2) بغية الوعاة: 1/ 212.

(3) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت