فهرس الكتاب
جواب: ما هو؟ واحترز بقوله: (( كمال الماهيه ) )من أن بعض ما يدلَّ على الحقيقة قد يحصل من طريق الملازمة لا من طريق المطابقة، ومثاله: أن تقول: حدّ الانسان هو الناطق، فلفظ الحدّ يكشف عن حقيقة النطق، ولا يدلَّ على جنس المحدود، وإن كان لا ناطق إلا الانسان، ولكن ذلك معلوم من جهة الملازمة، لا من جهة دلالة اللفظ .. )) [1] ، ثم عرَضَ لبعض ما قيل في حدّ الحدّ، فقال: (( وقال قوم: حدّ الحدّ: هو عبارة عن جملة ما فرّقه التفصيل، وقال آخرون: حدّ الحدّ: ما اطّرد وانعكس ) ) [2] ، ثم عقّب بقوله: (( وهذا حدّ صحيح، لأن الحدّ كاشف عن حقيقة الشيء. فاطراده يكشف حقيقته أينما وجدت، وانعكاسه ينفيها حيثما فقدت، وهذا هو التحقيق ) ) [3]
يسمي النحاة الحدَّ أحيانًا (تعريفًا) . قال عبد الله بن أحمد الفاكهي (ت 972هـ) : (( إعلم أن الحدَّ والتعريف في عرف النحاة والفقهاء والأصوليين اسمان لمسمى واحد، وهو ما يميّز الشيء عما عداه، ولا يكون كذلك إلا ما كان جامعًا مانعًا ) ) [4] .
إن (الحدّ) كما مرَّ بنا أحد الآثار التي تركها المنطق في مباحث النحو العربي ولاسيما في القرنين الرابع والخامس الهجريين، لكن هذا لا يعني أن النحاة الأوائل على عهد سيبويه كانوا يجهلون ماهية الحدود والتعاريف أو لا يدركون أهميتها، فالنحو مذ صار علمًا احتاج إلى أن تقوم أسسه وتوضع قواعده وتتوضح حقائقه على ألفاظ جامعة لمباحثه دالة على مضامينها تختص به وحده، ولعل هذا الشعور كثيرًا ما يراودنا ونحن نطالع آثار القرنين الرابع والخامس الهجريين وحتى القرون
اللاحقة؛ لنجد أن الحدود و التعريفات قد تصدرت الأبواب وتقدّمت الموضوعات فكانت على رأس المسائل النحوية، ليميزوا بهذه الألفاظ بين مضامين المحدودات ومضامين الموضوعات الأخرى، وكان من أوجه عناية النحاة بهذا الجانب المهم مذ عهد سيبويه أنهم كانوا يصيغون حدودهم بطرائق مختلفة، كالحدّ بالحدّ، والحدّ بالوصف، والحدّ بالمثال، والحدّ بالتقسيم، والحد بالعلامة [5] . كذلك عني النحاة لدى صياغتهم هذه الحدود بشروط أساسية تعدّ بمثابة الأ صول لفن صياغته، وهذه الشروط إجمالًا [6] هي:
أ - أن يكون الحدّ جامعًا مانعًا: قال ابن السِّيْد: (( أرادوا بقولهم:(المانع) أنه يمنع أن يدخل في المحدود شيء ليس منه، أو يخرج منه شيء هو منه )) [7] .
(1) المصدر نفسه: 123.
(2) المصدر نفسه: 124.
(3) المصدر نفسه.
(4) شرح الحدود النحوية: 29.
(5) ينظر: الحدود النحوية من النشأة إلى الإستقرار. دراسة ومعجم (رسالة) : 24 - 25.
(6) ينظر: المصدر نفسه: 17 - 24.
(7) الحلل في اصلاح الخلل: 60.