الصفحة 381 من 416

ليست هي الموجبة لاعراب الاسم، وإنما الموجب له قبوله لصيغة واحدة ومعاني مختلفة ولا يميزها إلا الاعراب، تقول: (ما أحسنُ زيدٌ/ زيدًا/ زيدٍ) فيحتمل النفي والتعجب والاستفهام فان أردت الأول رفعت زيدًا أو الثاني نصبته أو الثالث جررته، فلا بد أن تكون هذه العلّة هي الموجبة لأعراب المضارع، فأنك تقول: (( لا تأكل السمكَ وتشربُ اللبنَ ) )فيحتمل النهي عن كل منها على إنفراده وعن الجمع بينهما وعن الأول فقط والثاني مستأنف ولا يبين ذلك إلا الاعراب بأن تجزم الثاني أيضًا إن أردت الأول، وتنصبه إن أردت الثاني، وترفعه إن أردت الثالث [1] . وقد فرّق ابن جنّي بين العلل الموجبة والعلل المجوزة في كتابه (الخصائص) تحت باب (ذكر الفرق بين العلّة الموجبة وبين العلّة المجوّزة) . قال: (( إعلم أن أكثر العلل عندنا مبناها على الإيجاب بها، كنصب الفضلة، أو ما شابه في اللفظ الفضلة، ورفع المبتدأ، والخبر، والفاعل، وجرّ المضاف إليه وغير ذلك. فعلل هذه الداعية إليها موجبة لها، غير مقتصر بها على تجويزها، وعلى هذا مقاد كلام العرب. وضرب آخر يُسمى علّة وإنما هو في الحقيقة سبب يجوّز ولا يوجب. من ذلك الأسباب الستة الداعية إلى الإمالة، هي علّة الجواز لا علّة الوجوب، ألا ترى أنه ليس في الدنيا أمر يوجب الإمالة لا بدّ منها، وأن كل ممال لعلّة من تلك الأسباب الستة لك أن تترك إمالته مع وجودها فيه فهذه إذًا علّة الجواز لا علّة الوجوب ) ) [2] ، وقد بان بذلك الفرّق بين السبب والعلّة، ومن شأن العلّة الموجبة أنه يجب معلولها إن لم يوجد مانع [3]

ومن شروط العلّة أن تكون قاصرة، أي أنهم يقتصرون في التعليل بها على العبارة الواردة فلا يجوز أن يُعلل بها غيرها، وأجاز هذا الشرط قوم ومنعه آخرون [4] ، فالذين أجازوه ذهبوا إلى أن العلّة القاصرة ساوت العلّة المتعدية في الإخالة والمناسبة وزادت عليها بظاهر النقل، فإن لم يكن ذلك علمًا للصحة فلا أقلّ من أن لا يكون علمًا على الفساد، كالعلّة في نحو قولهم: (ما جاءَتْ حاجَتك) و (عسى الغويرُ أبوُسا) ، فإن (جاءَتْ) و (عَسىَ) أُجريا لجري صار في غير هذين الموضعين، فلا يُقال: (ما جاءَتْ حالَتك) أي صارت، ولا (عسى زيدٌ قائمًا) بإجرائه مجرى صار، ومما استدلوا به على مذهبهم أن العلّة لا يُشترط أن تتعدى في غيرها من العبارات لأنها كانت علّة لإخالتها ومناسبتها لا لتعديتها، فضلًا عن أن العلّة القاصرة تفيد الفرق بين المنصوص الذي يُعرف معناه والذي لا يُعرف معناه، وتفيد أنه ممتنع ردُّ غير المنصوص عليه، وتفيد أيضًا أن الحكم ثبت في المنصوص عليه بهذه العلّة [5] ، وممن قال بهذا الشرط ابن جنّي، وعقد له بابًا في (الخصائص) [6] ، ومثّل لها بقول من

(1) ينظر: الاقتراح: 89.

(2) الخصائص: 1/ 164.

(3) ينظر: العلّة النحوية تأريخ وتطور: 58.

(4) ينظر: الاقتراح: 89 - 90.

(5) ينظر: المصدر نفسه: 90.

(6) ينظر: الخصائص: 1/ 169، وانظر: تعليق المحقق على عنوان الباب في هامش رقم (1) من الصفحه نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت