فهرس الكتاب
وذلك محال. فلو قلنا إن الرفع والنصب في (ضربَ زيدٌ عمرًا) بالنص لا بالعلّة لبطل الالحاق بالفاعل والمفعول والقياس عليهما، وذلك لا يجوز [1] . وذهب بعضهم إلى أنه يثبت في محل النص، ويثبت فيما عداه بالعلّة لأن النص مقطوع به، والعلّة مظنونه، وإحالة الحكم على المقطوع به أولى من إحالته على المظنون، والحكم عند هؤلاء لا يكون ثابتًا بالنص والعلّة معًا [2] ، وخالف أبو البركات الأنباري هذا التعليل ورأى أنه غير صحيح لأن الحكم إنما يثبت بطريق مقطوع به وهو النص، ولكن العلّة هي التي دعت إلى إثبات الحكم، فنحن نقطع على الحكم بكلام العرب. ونظن بأن العلّة التي دعت الواضع إلى الحكم، فالظن لم يرجع إلى ما يرجع إليه بل هما متغايران فلا تناقض بينهما [3] .
ـ الركن الرابع: العلّة: هي (( الصفة المميزة التي من أجلها أُعطي المقيس الحكم الذي في المقيس عليه ) ) [4] . وهي وجه الشبه بين الأصل والفرع، والمسّوغ لعقد القياس. وتجدر الأشارة هنا إلى أن العلّة لم تكن وقفًا على مبدأ القياس، فمجالها في التنظير النحوي رحب وفسيح، فقد كان الداعي إلى القول بها غير القياس هو لتفسير الظواهر اللغوية المختلفة، فهي تعد (( رديف الحكم النحوي لا تفارقه ولا ينبغي لها في إعتقادهم أن تفارقه ) ) [5] . ولم يكن النقد النحوي ليستغنِ عنها، ولا كان بدعًا أنْ لجأ إليها وبشكل كبير [6] ، وقد وقف النحاة منها على أنواع عديدة، قسّموها على صنفين: علّة تطرد على كلام العرب وتنساق إلى قانون لغتهم. وعلّة تظهر حكمتهم وتكشف عن صحة أغراضهم ومقاصدهم في موضوعاتهم، وإن كانوا أكثر إستعمالًا للصنف الأول منها وأكثر تداولًا لها، وهي واسعة الشعب إلا أن مدار المشهورة منها على (24) نوعًا، هي: علّة سماع، وعلّة تشبيه، وعلّة استغناء، وعلّة استثقال، وعلّة فرق، وعلّة توكيد، وعلّة تعويض، وعلّة نظير، وعلّة نقيض، وعلّة حمل على المعنى، وعلّة مشاكلة، وعلّة معادلة، وعلّة قرب ومجاورة، وعلّة وجوب، وعلّة جواز، وعلّة تغليب، وعلّة اختصار، وعلّة تخفيف، وعلّة دلالة حال، وعلّة أصل [7] .
ولابدّ للعلّة الحجّة من شروط تستوفيها، ومن شروطها: أن تكون العلّة هي الموجبة للحكم في المقيس عليه، فان لم تكن موجبة للحكم لم تعّد حجة [8] ، ومن هذا الوجه أخذ إبن مالك على البصريين قولهم أن علّة إعراب المضارع مشابهته للاسم في حركاته وسكناته وأبهامه وتخصصه، فان هذه الأمور
(1) ينظر: المصدر نفسه: 87.
(2) ينظر: المصدر نفسه.
(3) ينظر: الاقتراح: 88.
(4) الشاهد وأصول النحو: 317.
(5) المصدر نفسه: 319.
(6) الإنصاف، وينظر - على سبيل المثال - حجج البصريين في المسائل: (16) و (70) و (74) حجج الكوفيين في المسائل: (13) و (20) و (21) .
(7) ينظر: الاقتراح: 83.
(8) ينظر: المصدر نفسه: 89.