فهرس الكتاب
العرب سواء كان مستثقلًا أم مستخطئًا، مستكرها أو مستحبًا فهو صحيح [1] . وقد علل إبن جنّي ذلك بقوله: (( ومما يدلك على أن ما قيس على كلام العرب فأنه من كلامها أنك لو مررت على قوم يتلاقون بينهم مسائل أبنية التصريف، نحو قولهم في مثال:(صَمَحْمَح) : من (الضَرْب) : (ضَرَبْرب) .. ونحو ذلك فقال قائل: بأي لغة كان هؤلاء يتكلمون؟ لم تجد بدًّا من أن تقول: بالعربية، وإن كانت العرب لم تنطق بواحدٍ من هذه الحروف )) [2] . وقد تقدم بنا أن سيبويه والخليل كانا يمنعان ذلك، إلا أن يفيد معنى في كلامهم، وما لم يكن في كلام العرب فليس من كلامهم [3] ، فالمقيس ما كان محمولًا من كلام العرب وموجهًا على ما وجهت عليه العبارة الواردة عند العرب، فان لم يصحّ حملها على كلام العرب فلا يجوز التكلّم بها، فالمقيس يجب أن يحمل على المقيس عليه معنىً ولفظًا، لا معنى فقط، وما لم يكن من كلامهم لا يصح إستعماله، وإن استعمل فهو خطأ، بل يجب أن يجري على المستعمل الذي له معنى في كلامهم، وأنْ يكون من الإبنية المستعملة عندهم، فان لم يكن له شبيه في المعنى أو في الفظ في كلامهم فلا يصح قياسه أو استعماله [4]
ـ الركن الثالث: الحكم، وهو (( ما يسري على المقيس مما هو في المقيس عليه ) ) [5] ، ولحكم القياس شروط إختُلفت في معظمها، فذهب معظم النحاة إلى أن شرطه أن يكون قد ثبت إستعماله عن العرب [6] ، أما الحكم الذي يثبت بالقياس والاستنباط لا بالأصالة فقد اختلفوا في القياس عليه، ونقل إبن جنّي عنهم الجواز [7] . أما إذا كان الأصل المقيس عليه مختلف في حكمه إختُلف في قياسه، فأجازه قوم لأن المُختلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة المتفق عليه. ومنعه آخرون، لأن المختلف فيه فرع لغيره فكيف يكون أصلًا [8] ، وحجّة المجوزين انه يجوز أن يكون فرعًا لشيء أصلًا لشيء آخر، فان إسم الفاعل فرع على الفعل وأصل للصفة المشبهة، وكذلك (لا) فرع على (ليس) وأصل لـ (لات) ، ولا تناقض في هذا الاختلاف [9] .
واختلف في الذي يثبت به الحكم أيثبت بالنص أم بالعلّة؟. فذهب الأكثرون إلى أنه يثبت بالعلّة لا بالنص، لأنه لو كان ثابتًا بالنص لأدى ذلك إلى إبطال الالحاق وسدّ باب القياس، لأن القياس حمل فرع على أصله بعلّة جامعة، وإذا فقدت العلّة الجامعة بطل القياس، وكان الفرع مقيسًا من غير أصل،
(1) ينظر: الشاهد وأصول النحو: 272.
(2) الخصائص: 1/ 360.
(3) ينظر: ص 215 من هذا البحث.
(4) ينظر: الشاهد وأصول النحو: 233و 277 وما بعدها.
(5) المصدر نفسه: 233 - 277.
(6) ينظر: الاقتراح: 80 - 81.
(7) ينظر: الخصائص: 1/ 186 - 187.
(8) ينظر: الاقتراح: 81.
(9) ينظر: المصدر نفسه.