فهرس الكتاب
رتّب النحاة على شروط الفصاحة في المسموع شرطًا آخر يجب أن يتوفر في هذا المسموع، فليس كل ما سمع عن الفصحاء يصح القياس عليه، فلا بدّ أن يُراعى في هذا المسموع كثرته أو قلته، ومن جانب آخر فليس كل اللغات على درجة واحدة من الفصاحة، فلغة قريش كما يرى الأمام أبو العباس ثعلب قد ارتفعت في فصاحتها عن عنعنة تميم وكشكشة ربيعة وكسكسة هوازن وتضجّع قيس وعجرفية ضبّة وتلتلة بهراء [1] ، لذا يجب على العالم أن يتحرى أقوى هذه اللغات وأشيعها، ولا يعني أن هذه اللغات التي يفضل غيرها عليها في الأخذ خاطئة ولكن دونها في الفصاحة، فاللغات كما يرى إبن جنّي كلها حجّة [2] ، ومع هذا فهو يرى أن القياس إنما يكون على الأكثر في الاستعمال من اللغات أو من الأساليب، فان كانت اللغتان متراسلتين في الاستعمال أُخذ بهما معًا. قال: (( ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال(ما) يقبلها القياس ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به، ويخلد إلى مثله. وليس لك أن تردّ إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها. لكن غاية مالك في ذلك أن تتخير إحداهما، فتقوّيها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشدّ أنسًا بها. فأمّا ردّ إحداهما بالأخرى فلا )) [3]
قسّم إبن هشام المسموع إلى: غالب وكثير ونادر وقليل ومطّرد، فالمطّرد الذي لا يتخلّف، والغالب أكثر الأشياء ولكنه يتخلّف، والكثير دونه، والقليل دونه، والنادر أقل من القليل، فالعشرون بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالب، والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب، والثلاثة قليل، والواحد نادر، وهذه هي مراتب الكلام المسموع فيما يرى السيوطي متابعًا إبن هشام [4] ، والنحاة (( متفقون على أن ما يقاس عليه هو الكثير المطّرد في لغات القبائل العربية الفصيحة، فان قلّ الشيء في هذه اللغات وخالف ما عليه بقية الباب فهو الشاذ الذي لا يُقاس عليه. فان كان المنطوق به قليلًا وهو كل ما تكلمت به هذه القبائل فانه يُقاس عليه عند جميع النحاة لانه كل ما تُكلِّم به في بابه. فان كان لغة لقبيلة وكان قليلًا بالنسبة للغات القبائل الأخرى قيس عليه باعتباره لغة لقبيلة معينه وطريقة خاصة لها في التعبير ) ) [5] .
ـ الركن الثاني: المقيس، ويسمى الفرع. كان النحاة الأوائل يرون أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، ولنا أن نقيس إعتمادًا على هذا القول كل ما نطق به العرب - ولو لم نسمع هذا المقيس - على وزن ما سمع عن العرب الفصحاء من الكلمات والعبارات [6] ، فكل ما قيس على ما استعملته
(1) المصدر نفسه: 2/ 11.
(2) المصدر نفسه: 2/ 10.
(3) الخصائص: 2/ 10.
(4) ينظر: الاقتراح: 47.
(5) الشاهد وأصول النحو: 246.
(6) ينظر: الاقتراح: 79 - 80.