فهرس الكتاب
2ـ الإجماع: الإجماع في اللغة: (( الاتفاق والإزماع، يُقال: أجمعوا على الأمر، اتفقوا عليه، والجماعة إذا اتفقوا، يُقال: أجمعوا ) ) [1] . واصطلاحًا يُراد به إجماع علماء البلدين (المذهبين)
البصرة والكوفة على المنصوص أو المقيس على المنصوص، ويكون إجماعهم عليه حجّة ما لم يختلفا
فيه [2] .
يعدّ الإجماع ثالث حجج النحو المعتبرة، ولا يُعلم أحدٌ من النحاة تخلّف عن القول بحجته،
ولكن من غريب مواقف أبي البركات الانباري أنه لم يعرض لهذا الدليل في رسالتيه التي وضعهما في أصول (جدل الإعراب) [3] و (لمع أدلة النحو) [4] ، مع أنه كان يحتج به في كتابه (الإنصاف) [5] . وخلاصة ما يمكن قوله عن مواقف النحاة مع هذا المعيار أن بعضهم كان يُغالي في حجّته حتى لينكر على من يروم خرقه كابن الخشاب، فكان يذهب إلى أن (( مخالفة المتقدمين لاتجوز ) ) [6] ، أي فيما أجمعوا عليه، وذهب غيره ممن رأى رأيه أن (( إجماع النحاة على الأمور اللغوية معتبر، خلافًا لمن تردد فيه، وخرقه ممنوع ومن ثم رُدَّ ) ) [7] . ورأى غيرهم من العلماء جواز خرقه، وذهب مذهب الاعتدال فيه، منهم ابن جنّي، وكان يقول: (( ولعمري إن هذا ليس بموضع قطع على الخصم ... لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس ما لم يلو بنصّ أو ينتهك حرمة شرع ) ) [8] . إذًا فابن جنّي يبيح خرق هذا المعيار في حدود الضوابط المتعارف عليها، فلا بدّ أن يكون القياس أحد دواعي الخرق، وأن السعة في الاستقراء وكثرة السماع تبيحان له الولوج في الخلاف، فـ (( إنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة ) ) [9] ، ومن جانب آخر؛ علّق ابن جنّي حجّة هذا الدليل بشرط بديهي هو أن يعطيك خصمك يده ألاّ يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص، فإن لم يعطِ يده بذلك فلا حجّة، ورتّب على هذا الشرط أن لا يُقدِم المُخالف على خرق الإجماع من أول وهلة حتى يستفتي نفسه مرارًا وتكرارًا، فليس يهون (( مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها، وتقدّم نظرها، وتتالت أواخرعلى أوائل، وأعجازعلى
(1) القاموس المحيط: مادة (جمَعَ)
(2) ينظر: الخصائص: 1/ 189، والاقتراح: 66.
(3) ينظر: جدل الإعراب: 44 - 45.
(4) ينظر: لمع الأدلة: 81، والاقتراح: 71.
(5) ينظر: الإنصاف - على سبيل المثال: 2/ 609، 701، 716.
(6) الاقتراح: 67.
(7) المصدر نفسه.
(8) الخصائص: 1/ 189.
(9) المصدر: نفسه.