الصفحة 384 من 416

كلاكل .. إلا بعد أن يناهضه إتقانًا، ويثابته عرفانًا، ولا يخلد إلى سانح خاطره، ولا إلى نزوةٍ من نزوات تفكيره )) [1] .

يقع الاحتجاج بالإجماع إذ وقعت المخالفة بأن خرج بعضهم على المنصوص أو المقيس على المنصوص، ويُعدم ذلك في حالة الوفاق، إذ لا مسوّغ للاحتجاج به، ولا وجه يبيح للمحتجّ اللجوء إليه إذ ذاك. ونفهم من ذلك أن حجّة الإجماع لا تقضي نسبة مئة بالمئة من مجموع العلماء، فمن غير المعقول أن يحتج العلماء بعضهم على البعض الأخر في أمر اتفقوا عليه؛ ولكنهم يحتجون به على من خالف هذا الإجماع، أي من خرج عن نسبة مئة بالمئة، فالمفهوم من مصطلح الإجماع إذًا بعده حجّة معتبرة أنه يقع بين نسبة 99./. أو 98./. من مجموع العلماء، وربما صدق على نسبة 95./. من مجموعهم، وعلى ذلك لست أرى ثمت ما يدعو أبا البقاء العكبري للتفريق بين نسبة ما يصدق عليه مصطلح (الإجماع) وبين النسبة التي يصدق عليها مصطلح (الاتفاق) على أساس إن الأول يعني (( اتفاق جميع العلماء ) )بلا استثناء (100./.) وأن الثاني يعني (( إتفاق معظمهم أو أكثرهم ) ) [2] أي نسبة (91 - 99./.) ، لأنهم إن أجمعوا على مسموع أو مقيس على مسموع لا يحتاجون لأن يقولوا أجمعنا عليه حتى يخالفوا فيه، ويكفي في حال الإجماع والاتفاق أن يقولوا: (هذا مسموع) فحسب، لا يقولون: (هذا مُجمع عليه) أو (هذا مسموع مُجمع عليه أو مقيس مُجمع عليه) حتى تقع المخالفة ولا بدّ أن تكون هذه المخالفة قد صدرت عن بعض من هو في عداد هؤلاء العلماء (عداد المئة بالمئة) فيُحتجُّ عليه: بأنك خرجت عن المُجمع عليه، أي خرجت عن عداد المئة بالمئة. ومن جانب آخر كيف يوصف الاتفاق - على أساس أنه واقع بين معظم النحاة أو أغلبهم - بالإجماع؟ والإجماع عنده (أي العكبري) يشمل نسبة مئة بالمئة، أي يشمل جميع العلماء بلا استثناء، فمن غير المعقول أن يمنح المصطلحان وصفًا واحدًا أو دلالة واحدة وموصوفهما متغايران!. والذي أراه أن مصطلح الإجماع مادام يصدق على نسبة (100./.) من مجموع العلماء، كما يصدق على نسبة (95./.) من مجموعهم، فليس ثمة ما يدعو إلى التفريق عمليًا بين النسبتين، كما لا يصح أن نطلق مصطلحًا على كل عدد يصدق عليه الإجماع من 91./. إلى 99./.، وإن كان ولا بدّ فـ (أغلبهم) أو (معظمهم) أو (أكثرهم) تجزئ عن مصطلح (الاتفاق) ونحوه.

إن الإجماع لدى النحاة ينقسم على قسمين: أحدهما يُعقد بين عموم علماء النحو (( أهل العربية ) )أو على حدّ وصف ابن جنّي: (( إجماع أهل البلدين ) )وهو المخصوص عند إطلاق لفظ (الإجماع) عمومًا. والآخر - ولم أرَ أحدًا قد نبّه عليه - هو الذي يقع بين علماء المذهب الواحد، ولا يكون إجماعهم على المنصوص أو المقيس على المنصوص ملزمًا علماء المذهب الآخر فيه، فإذا قال ثعلب:

(1) المصدر نفسه: 1/ 190.

(2) الكليات: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت