الصفحة 385 من 416

(( أجمعوا على أن أكثر الناس كلهم رواية وأوسعهم علمًا الكسائي ) ) [1] ، قال أبو الطيب اللغوي: (( وهذا الإجماع الذي ذكره ثعلب إجماع لا يدخل فيه أهل البصرة ) ) [2] .

إن الفرق بين هذين القسمين يأتي من جانبين، هما:

الأول: الرتبة: فإجماع البلدين على أمر يكون أعلى رتبة مما لو أجمع عليه علماء مذهب واحد، وبالتالي فهو أقوى حجّة من الآخر، ففي التعارض والترجيح نصّ النحاة أنْ (( إذا تعارض مُجمع عليه ومُختلف فيه - بين المذهبين - فالأول أولى ) ) [3] ، وقد ترجّح رأي البصريين في المسألة (109) من مسائل (الإنصاف) وهي في جواز مدّ المقصور في ضرورة الشعر حملًا على قصر الممدود ضرورةً في الشعر، وقد أجازه الكوفيون، ومنعه البصريون فتُرُجِّح مذهبهم، لأن ارتكاب الثاني أولى لإجماع البصريين والكوفيين على جوازه، ومنع البصريين للأول [4] .

الثاني: مجال الاحتجاج به: أما إجماع علماء المذهب الواحد، فهو معيار خاص بنقد الوفاق وحسب، وهذا واضح من تعليق أبي الطيب اللغوي على قول ثعلب المتقدم، أما إجماع المذهبين فيُحتج به في نقد الوفاق وفي نقد الخلاف على حد سواء، ولكنه هو الآخر له خصوصيته التي يمتاز بها عن الاجماع الذي يقع بين علماء المذهب الواحد؛ تلك هي تشاكله بباب (الاحتجاج بقول المخالف) [5] . فمن المعلوم أن الاحتجاج بالاجماع لا يقع إلا حيث يقع الخلاف، وإن العلاقة القائمة بين الاتفاق (الاجماع) والإختلاف (المخالفة) علاقة عكسية، فإذا اتفق المذهبان؛ على مَنْ يُحتج بالاجماع؟. يُحتج به على المذهب الذي يخالف نفسه بنفسه (الاحتجاج بقول المخالف) ، فمخالفة المذهب لأصوله لا تعد مخالفه للمُجمع عليه، وان الاحتجاج بالمُجمع عليه إنما هو احتجاج بما ناقض به المذهب نفسه، وإلا كيف يُحتج على المخالف بما لم يقل به ولم يُجمع عليه؟ بل كيف يجتمع الاحتجاج بالاجماع (الاتفاق) والتصريح بالخلاف؟ فالخصم لم يتفق مع خصمه على شيء أصلًا، فكيف يُحتج عليه بالاجماع؟ وأي إجماع وهو لم يقل به؟ فإنْ وقع الاحتجاج به فهو ليس من باب الاحتجاج بالاجماع وإنْ عُبّر عنه بلفظ الاجماع، إنما هو من باب الاحتجاج بقول المخالف، وإنما تشاكل البابان في هذا الموضع، وإن شئت فهو من البابين كلاهما، وعلى ذلك حجة الكوفيين على البصريين في المسألة (22) من مسائل (الإنصاف) والتي ذهبوا فيها إلى القول بعدم عمل حرف التوكيد (إنّ) في الخبر، فاحتجوا بان قالوا:

(1) مراتب النحويين: 74.

(2) المصدر نفسه.

(3) الاقتراح: 125.

(4) ينظر: المصدر نفسه، والإنصاف: 2/ 750 وما بعدها.

(5) ينظر: الخصائص: 1/ 188 - 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت