الصفحة 394 من 416

6ـ الحدود النحوية:

مرَّ بنا أن الحدّ في عرف النحاة هو: (( قول وجيز يستغرق المحدود ويحيط به ) ) [1] . وأنه لا يكون حجّة حتى يستوفي شروط صياغته بأن يكون جامعًا؛ أي أن يجمع المحدود فلا يشذ منه شيء، وأن يكون مانعًا، أي أن يمنع أن يدخل في المحدود شيء ليس منه، وأن يُلاحظ فيه الجنس؛ وهو الصفة الأولى من المحدود، كما يُلاحظ فيه الفصل؛ وهي الصفة الثانية للمحدود، كما يُلاحظ فيه الإنعكاس، وهو يعني أنه كلما انتفى الحدّ انتفى المحدود، وأن يكون التعبير عن هذه الجوانب بألفاظ واضحة دالة على معانيها [2] .

وكما كان الحدّ موضوعًا من موضوعات النقد فهو حجّة من حججه ومعيارًا من معاييره؛ قال ابن هشام: (( إعلم أنه إذا أُريد تعريف حقيقة الشيء وتمييزه ذاتيًا فالسبيل إلى ذلك هو الحدّ ) ) [3] .

وسنكتفي بمثال واحد لهذا الدليل العقلي. اختلف علماء المذهبين في أصل اشتقاق الفعل والمصدر، أيّهما من صاحبه؟ [4] ، ثم اختلفوا في حدّ الفعل تبعًا لذلك [5] ، فذهب البصريون إلى أن الفعل مشتق من المصدر وهو فرع عليه، واحتجوا لذلك بحجج منها: (( أن المصدر له مثال واحد نحو الضرب والقتل، والفعل له أمثله مختلفة، كما أن الذهب نوع واحد، وما يوجد منه أنواع وصور مختلفة ) ) [6] . وقد قال سيبويه في حدّه - أي الفعل - (( أمثلة أُخذت من لفظ أحداث الأسماء وبُنيت لما مضى ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع ) ) [7] ، فردَّ الكوفيون بأن الفعل هو الأصل والمصدر فرع عليه، وأن (( هذا الحدّ لا يصح إلا على مذهب البصريين الذين يقولون أن الفعل مشتق من المصدر ) ) [8] .

(1) الحلل في إصلاح الخلل: 60.

(2) ينظر: ص 319 من هذا البحث.

(3) شرح الملحمة البدرية: 1/ 202.

(4) ينظر: الإنصاف: مسألة (28)

(5) ينظر: الحلل في إصلاح الخلل: 71.

(6) ينظر: الإنصاف: 1/ 237.

(7) كتاب سيبويه (بولاق) : 1/ 2.

(8) الحلل في إصلاح الخلل: 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت