الصفحة 393 من 416

5ـ التأويل:

التأويل في اللغة يصدق على معانٍ عدة، هي: المرجع والمصير، إذ هو من آل يؤول إلى كذا، أي صار إليه ورجع. وبمعنى التغيير، من آل اللبن أي خثُرَ، وآل جسم الرجل إذا نحِفَ. وبمعنى الوضوح والظهور، فكل ما يشخص وتراه في أول النهار وآخره فهو الآل. وبمعنى التفسير والتدبر، فالتأويل هو ما يؤول إليه الشيء، تقول: تأوّلت في فلان الأمر، أي تحرّيته [1] .

والتأويل باب عظيم، وخلاصته توجيه الأدلة والأحكام على وفق مذهب المتأوّل، فطالما ظن المتأوَل أن الدليل معه، وإن ما تقدم ذكره من أدلة وشواهد وأحكام أكثرها تُردُّ بالتأويل، وكل طعن في أدلة الخصم لا بد أن يُبنى على شيء من التأويل، لذا فإن التأويل غالبًا ما يتقدم الأدلة، وغالبًا ما تبنى عليه الأدله، ويكاد التأويل يشترك مع الأدلة الأخرى في كل حكم نحوي، فهو يمهد الطريق للعالم أو للناقد للإدلاء بحجته بعد أن يُضعِّف أدلة الخصم ويؤّلها إلى وجوه من القبح والشذوذ والضرورات، ولهذا غالبًا ما تمسك الخصمان كلُّ بأدلته وأحكامه؛ طالما أمكنه تأوّل أدلة الخصم وأحكامه. وقد ترتب على ذلك أمران: أحدهما، أنك تجد أن أغلب مسائل الخلاف بين المذهبين مبنية على أوجه من التأويل. والآخر، أن هذا المنحى العقلي ساعد على إبقاء الخلاف بين الطرفين، وعمل على ديمومته، فطالما ساعد على تضعيف أدلة الخصم وأحكامه في مقابل تقوية أدلة المتأوّل وأحكامه، فالأدلة والأحكام إذا ثبتت قياسًا ونقلًا لا تُردُّ إلا عن طريق التأويل، لذا فالتأويل يعد من أكثر الأدلة العقلية التي لجأ إليها النحاة، كما قد كثرت وجوه الاستدلال به في قضايا الحجاج النقدي، ولا سيما ما بُني منها على الخلاف، وأغلبها على ذلك، والناظر في مسائل الخلاف بين المذهبين يجد حقيقة أن التأويل لا يكاد يغادر أي مسألة من مسائله، فاللجوء إلى هذا المنحى العقلي إلّم يكن من قبل الطرفين المتخاصمين؛ كان من قبل الطرف الذي يحكم بينهما، فلا بد له من أن يتأوّل أدلة أحدهما أو كلاهما إذ يحكم بينهما أو عليهما، لذا فالحديث عن الأحكام النقدية التي استندت إلى هذا الدليل أشهر من أن نمثّل لها بمثال، فجميع ما تقدم عرضه من مسائل بما فيها من أدلة كانت مبنية على وجوه من التأويل، أو قل عُضدت بوجه من التأويل، ففي المسألة (84) - مثلًا - من مسائل (الإنصاف) والتي تقدم ذكرها تأوّل أبو البركات الأنباري أدلة الطرفين الكوفي والبصري على حدّ سواء مع أن الطرف المنقود يمثل مذهبًا كاملًا، والناقد هو عالم واحد، ثم بنى حكمه على ما كان قد تأوّله من أدلة الطرفين، فحمل أدلة الكوفيين فيها على الشذوذ [2] ، وحمل أدلة البصريين فيها على الضعف [3] ، ثم بنى حكمه على ذلك بأنَّ (((إنْ) هو العامل في جواب الشرط بواسطة فعل الشرط )) [4] .

(1) اللسان: مادة (أَ وَلَ) .

(2) ينظر: الانصاف: 2/ 651.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 2/ 608 - 609.

(4) المصدر نفسه: 2/ 608.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت