فضحك الرشيد ثم قال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال: (( أَنْ ) )فقد وجب الفعل، وإذا قال: (( إن ) )فلم يجب، ولم يقع الطلاق، قال: فكان أبو يوسف بعدها لايَدع أن يأتي الكسائي )) [1] .
ومن أشهر ماوقع للنحاة مع غيرهم وهو داخل في حساب النقد النحوي؛ المناظرة التي وقعت
بين أبي سعيد السيرافي وبين المنطقي متى بن يونس القُنّائي (ت328 هـ) [2] وهي تحفل بمادة نقدية كبيرة، فقد إدعى متى بن يونس أن (( لاسبيل إلى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشر والحجّة من الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فاطلعنا عليه من جهة إسمه على حقائقه ) ) [3] ، فردَّ عليه أبو سعيد السيرافي، وكان من جوابه: (( ودع هذا؛ إذا كان المنطق وضَعَه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم التُّرْك والهند، والفُرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضيًا وحكمًا لهم وعليهم، ماشهد لهم قبلوه، وما أنكر رفضوه؟ ) ) [4] ، ثم ألقى عليه جملة من الأسئلة أفحمه بها، منها قوله: (( أسألك عن حرف واحد، وهو دائر في كلام العرب، ومعانيه متميزة عند أهل العقل؛ فاستخرج أنت معانيه من ناحية
منطق أرسطاطاليس الذي تُدِلُ به وتباهي بتفخيمه، وهو (الواو) وأحكامه؟ وكيف مواقعه؟ وهل هو على وجه أو وجوه؟ فبُهت متّى وقال: هذا نحوٌ، والنحو لم أنظر فيه )) [5] ، قال أبو سعيد: (( وإنما سألتك عن معاني حرف واحد، فكيف لو نثَرتُ عليك الحروف كلها وطالبتك بمعانيها التي لها بالحق، والتي لها بالتجوّز؟ ) ) [6] ، وهكذا تأتي المناظرة على آخرها، يظهر فيها أن متّى قد ورَّط نفسه بما لم يحسب له حساب.
لقد أدرك العلماء ما لهذه الوسيلة من أهمية في إدارة جو المناظرة لاسيما في القرون التي شهدت ولادة النحو وسايرت نموه، إذ أصبح الجدل فيها صنعة يتسابق إليها العلماء، فقد يضمن المناظر مع تمكنه من اللغة وقدرته على الكلام أن يحسم المناظرة لصالحه، وقد وجد الأصمعي فيها وسيلة مناسبة للانتصار على سيبويه، وكان يونس بن حبيب يقول في هذه المناظرة: (( الحق مع سيبويه وهذا يغلبه بلسانه ) ) [7] . كما ظمن بها عيسى بن عمر التقدمة على أقرانه (( وكانا - يعني عيسى بن عمر وأبا عمرو بن العلاء - إذا اجتمعا في مجلس لم يتكلم أبو عمرو مع عيسى بن عمر .. لحسن إنشاده
(1) الامتاع والمؤانسة: 1/ 108.
(2) المصدر نفسه:1/ 110.
(3) الامتاع والمؤانسة: 1/ 114.
(4) المصدر نفسه: 1/ 117.
(5) بغية الوعاة: 2/ 112.
(6) مجالس العلماء للزجاجي: 120.
(7) معجم الأدباء:7/ 107.