الصفحة 43 من 416

وفصاحته )) [1] ، وكان المازني (( لا يناظر أحدًا إلا قطعه، لقدرته على الكلام ) ) [2] ، فإذا كان القيام بشروط اللغة يؤهل العلماء لخوض المناظرة، فإن القدرة على الكلام وحسن التصرف باللغة تؤهلهم لحسم المناظرة وكسبها.

إن المنهج الذي تقوم عليه المناظرات انتُزع من هذه الوسيلة (اللغة) ، فعن طريق الحوار المتبادل يكون التناظر، وهذا الحوار يؤدي بصيغة السؤال والجواب، أو قل عن طريق طرح الأسئلة وطلب الإجابة عنها، ثم الردّ عليها ونقض أفكار الخصم بما تناسب من حجج وأدلةٍ وبراهين، وإن طريقة العرض هذه كانت قد استهوت الكثير من العلماء، فأخذت مناهج بعض الكتب تتأثر بصنعة الجدل القائمة على أساس طرح الأسئلة والإجابة عنها؛ كالذي نجده في كتاب (شرح عيون الإعراب) لابن فضّال المجاشعي (ت 479هـ) [3] ، فبعد أن يعرض لعبارة المصنّف [4] في بابها النحوي ويعمد إلى شرحها؛ يعرض لمسائل الباب تحت عبارة (مسائل هذا الباب) فيفتتح الحديث عن هذه المسائل بقوله: (( ويُقال: ... ) (( الجواب: ... ) )، وهذا في الكتاب كله. ويكتفي بعضهم الآخر بتكرار هذا السؤال المفترض في مواضع من كتابه، (( فكثيرًا ماتقود هذه الأسئلة إلى إصطناع أسلوب الجدل والحوار، على غرار مانعرف عند إبن جنّي في(الخصائص) ، فهو يتخيل المُلزمين له، ثم يرد إلزاماتهم ويُلزمهم إلزامات أخرى، ويستعمل عادةً في مثل هذا قوله: (( فإذا قيل .. ) )ويورد الاعتراض، ثم يكرُّ عليه بقوله: (( قيل، أو فالجواب .. ) )وهي طريقة ملأ بها إبن جنّي كتابه (الخصائص) ، وقبله وبعده إستعملها النحاة جميعًا )) [5] ، كالذي نجده مثلًا في (مقتضب) [6] المبرد، وشرح السيرافي على كتاب سيبويه [7] ، وفي (إعراب ثلاثين سورة .. ) [8] لابن خالويه. أو قد يكتفي بعضهم الآخر بأن يفتتح كتابه بعبارة (سألتني) ونحوها، ويجعل من متن الكتاب جوابًا على ذلك السؤال، كالذي نجده في مقدمة كتاب (الحلل في إصلاح الخلل .. ) لابن السِّيْد (ت 521هـ) وقد قال فيها: (( أما بعد، فأنك سألتني

(1) هو أبو الحسن بن علي فضّال بن غالب المجاشعي القيرواني، ويُعرف بالفرزدقي لان الفرزدق جده، كان إمامًا في النحو واللغة والتصريف والتفسير والسير، طوّف البلدان وأقام ببغداد درّس فيها النحو واللغة. ينظر: بغية والوعاة: 2/ 183.

(2) ومصّنف (عيون الأعراب) هو أبو محمد عبدالله بن أحمد بن إبراهيم الفزاري ثم البصري، أخذ اللغة والنحو عن

أبي علي الفارسي وكان قاضيًا بشيراز في حدود 350هـ. ينظر: بغية والوعاة: 2/ 126.

(3) مسائل خلافية في النحو (دراسة المحقق) : 23.

(4) ينظر ـ على سبيل المثال ـ: 1/ 111، 120، 136، 149، 2/ 22، 31، 50.

(5) ينظر ـ على سبيل المثال ـ: 1/ 45، 49، 54، 58، 68،70، 71.

(6) ينظر ـ على سبيل المثال ـ: 21، 26، 35، 44، 48، 94.

(7) ينظر: الحلل في إصلاح الخلل: 57.

(8) ينظر: على سبيل المثال: (مراتب النحويين) :1. لأبي الطيب اللغوي، و (الإنصاف في مسائل الخلاف) : 1/ 5. و (الإغراب في جدل الإعراب) : 35. لأبي البركات الانباري، وطغى هذه الاسلوب على مؤلفات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، فهو أسلوب شاع بين العلماء؛ نحاةً ولغويين وأدباء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت