الصفحة 44 من 416

سدد الله سهامك ـ الى أغراض مطالبك ... )) [1] ولكثرة اللجوء إلى مثل هذه الأوضاع صارت وكأنها سُنّة متبعة بين النحاة في التأليف [2] ، وحيث تكون الأسئلة تكون العلل وتتداعى الأحكام.

3ـ النقد: إن المناظرة القياسية هي التي يتمكن المناظر فيها من نقض أفكار خصمه بما يوجهه إليها.

من نقد؛ فالمناظرات النحوية لا تنتهي في الغالب حتى يُحكم لأحد طرفيها على الطرف الآخر بأن يأخذ على نظيره شيئًا يوجب ذلك الحكم.

إن الإحكام النقدية الخاصة بالمناظرات النحوية لاتخلو من نوازع العصبية؛ وبما إن صياغة هذه الأحكام تعتمد بالدرجة الأساس على الغاية من وقوع المناظرة؛ إذ لا يراد بها كلها وعلى حد سواء قيمتها النقدية طالما كان للعصبية فيها نصيب؛ فضلًا عن أن هذه الأحكام تكون وليدة لحظتها؛ يلعب التحايل والمغالطة دورًا في صياغتها؛ فتخرج عن كونها وسيلة إلى كونها غاية، فكما أن المناظرات وسيلة للعلم والمعرفة؛ فان النقد فيها وسيلة للوصول إلى هذا العلم وهذه المعرفة؛ وإنما اهتدى العلماء إلى فن المناظرات للتناظر والتناقش والتباحث؛ لا للتناقد، فالنقد في المناظرة وسيلة لا غاية، وهذا ما تعاهد عليه أهل الجدل والكلام حين تواضعوا على شروطها؛ ذكر ذلك الراغب

الاصفهاني (ت 425هـ) [3] في كتابة (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء البلغاء) تحت عنوان (شروط المناظرة) ومما جاء فيه: أنه قد (( إجتمع متكلمان فقال أحدهما: هل لك في المناظرة؟ فقال على شرائط، أن لا تغضب، ولا تعجب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تُقبِل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلًا، ولا تجوّز لنفسك تأويل آية على مذهبك إلا جوّزت إلى تأويلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق وتنقاد للتعارف، وعلى أن كلًا منا يبني مناظرته على أن الحق ضالته والرشد غايته ) ) [4] .

إن قسمًا كبيرًا من المناظرات النحوية تخلّت عن هذه الشروط وغضّت الطرف عنها متناسيةً إياها في زحمة العصبية للمذهب ووراء حسد الصنعة، بل أن من أعظم مرتكبات هذه الأحكام أنه صار يُحكم على علمية عالم بخطئٍ يؤخذ عليه، أو يُحكم على مذهب كامل بخطئ عالمٍ من علمائه. قال الأستاذ علي النجدي ناصف: (( فليس يصحُّ في المفاضلة أن يُحكم لامرئٍ أو يحكم عليه بكلمة يقولها، كائنة ما كانت قيمتها، فان للمصادفة في هذا المجال عملًا لا مراء فيه ) ) [5] .

(1) هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني، صاحب كتاب (جامع التفاسير) ، ذكر الزركلي أن سنة وفاته (502 هـ) 0ينظر: الأعلام للزركلي: 2/ 279.

(2) محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء البلغاء: 1/ 78.

(3) سيبويه إمام النحاة: 109.

(4) ينظر: العلة النحوية تاريخ وتطور: 93، والزجاجي حياته وآثاره ومذهبه النحوي من خلال كتابه الإيضاح: 58.

(5) المصدر نفسه: 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت