المناظرة والنظر؛ كأبي العباس ثعلب؛ الذي (( كان يقول: قال الفراء، وقال الكسائي، فإذا سُئِل عن الحجة والحقيقة في ذلك لم يغرق في النظر ) ) [1] ، لذا (( كان المبرد يحب الاجتماع بأبي العباس ثعلب للمناظرة، وثعلب يكره ذلك ) ) [2] .
ثانيًا: المحاكمات والموازنات النحوية:
إنّ بعض المناظرات النحوية لم تكن تُحسم لأحد الطرفين، ولحرص العلماء على أن لا تنتهي مناظراتهم بهذا الشكل كانوا يوجِّهون بالمُتَناظِرَيْن أو بأقوالهم إلى عالم مقطوع بعلميته ورجاحة عقله؛ موصوفًا بالأمانة والعدل ليحكم بينهما، من ذلك مارواه علم الدين السخاوي (ت 642هـ) في كتابه (سفر السعادة) في مناظرة جرت بين أبي جعفر بن النحاس وابن ولاّد وانتهت إلى طريق مسدود وقد عجز مَنْ كان حاظرًا أن يحكم بينهما، فبُعث بقوليهما إلى بغداد [3] . وإنما يلجأ العلماء إلى مثل ذلك إذا وقعت المناظرة بين عالمين متعادلين بالنظر يصعب الحكم لأيِّهما [4] ، أو لأن المناظرة بلغت مبلغ الجدل بينهما، وكان المتناظرون من جانبهم يُظهرون رضىً مبدئيًا لحكم هؤلاء النُقّاد، بل إن كثيرًا من العلماء يجدون أنفسهم بحاجة إلى مثل هذه المقاضاة إذا كان الندّ ممن يصرُّ على الخطأ ولا يعبأ به، حتى صار اللجوء إلى مثل هذه المحاكمات أمرًا شائعًا في القرنين الثالث والرابع الهجريين [5] ، وممن كان يتطلع إلى هذه الموازنات والمحاكمات النقدية ويشيد بموقف الحُكّام (النقاد) فيها؛ الزجاجي، قال في مقدمة كتابه (الإيضاح .. ) متحدثًا عن موضوع الكتاب ومادته، داعيًا إلى المناظرة كل من دعته نفسه للقدح بالكتاب أو بمادته، قال: (( لعل أكثر من نظر فيه مخالفٌ له في ضرب من هذه الضروب، أو في أكثرها فيميله عنه مانافره منه إلى ما ألِفَهُ وعَرَفهُ، وإذا كان ما ذكرنا صحيحًا عند كل ذي لُبّ، فحقيقٌ على كل مستهدفٍ عقله للناس ومُعرّضٌ مقداره من العلم للمُعايرة والموازنة بتَعَرُّضهِ بتصنيف كتاب في فن من فنون العلم، أيُّ فنٍ كان من جّدٍ أو هزل، أن يثابر على صون ماصانه طول عمره من جاههِ وعقلهِ ومحلهِ ) ) [6] . ثم قال: (( أو رأى أنه لاحق إلا في غيره، كانت حلبة التناظرـ باجتماع ذوي الفهم والنظر والفحص والجدل معنا فيها ـ فاصلة بيننا وبينه حتى نصير معًا بحق النظر الى الصواب
(1) ينظر: سفر السعادة وسفير الإفادة:2/ 516ـ565 و 2/ 566ـ 655، وينظر: الأشباه والنظائر: 6/ 11 وما بعدها.
(2) ينظر: المناظرات النحوية واللغوية بين الجدية والإفتعال (بحث) : 253.
(3) ينظر: مراتب النحويين 1،29.
(4) الإيضاح في علل النحو: 37.
(5) المصدر نفسه: 39.
(6) هو الواثق بالله، أبو جعفرـ بن المعتصم بن الرشيد، ولي الخلافة بعهدٍ من أبيه، وكان يقول بخلق القرآن في أول أمره، ثم رجع عنه في آخره. ينظر: تاريخ الخلفاء: 340ـ346.