فنعتقده جميعًا )) [1] . فالزجاجي يدعو الى الموازنة بين رأيه ورأي خصمه إمّا بالتأليف أو التناظر، يكون ذلك بحضور أهل المشورة والنظر، كي يفصل بينهما ويحكم على رأيهما.
حفظت لنا كتب التراجم والامالي والأخبار الكثير من هذه المحاكمات التي كانت تُعقد بين المتناظرين الأنداد - وحتى غير الأنداد - وانتهى السبيل بهم إلى طريق مسدود؛ فيُعقد مجلس الفتيا للنحاة المشار إليهم بالحكم والرياسة ليقولوا قولهم فيها، من ذلك ما جرى مع المازني إذ أشخصه كتاب الواثق (ت 232هـ) [2] إلى بغداد، ليحكم له في مناظرة شجرت في مجلسه حول توجيه بيت من الشعر كانت قد غنته مُغَنيةٌ بحضرته على نحو [3] :
أظلومُ إنَّ مُصابَكْم رجُلًا ... أَهْدى السَلامَ تَحيّةً ظُلْمُ
فانقسم المجلس إلى فريقين؛ فريق ذهب إلى أن الوجه هو ما لفظت به المغنّية، وذهب الآخرون الى
أن الوجه فيه رفع (رجل) على أنه خبر (إن) ؛ منهم الواثق وابن السكّيت والتوزي (ت 238هـ) [4] ؛ (( فرد التوزي عليها نصب(رجل) ضانًا أنه خبر (إن) فقالت: لا أقبل هذا ولا غيره، وقد قرأته كذا على أعلم الناس بالبصرة أبي عثمان المازني؛ فأُحضر من سُرّمن رأى )) [5] ، قال المازني: (( فسألني عن البيت، فقلت: صوابه(رجلًا) فقال: ولِمَ؟ فقلت: إن (مصابكم) مصدر بمعنى (إصابتكم) . فأخذ التوزي في معارضتي، فقلت هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيدًا ظُلْم، فالرجل مفعول (مصابكم) وظلم الخبر، والدليل عليه أن الكلام معلّق إلى أن تقول (ظُلْم) فيتّم، فقال التوزي: حسبي، وفهم. واستحسنه الواثق )) [6] .
لم تكن هذه المناسبات هي المناسبات الوحيدة التي يتقلّد فيها عالم النحو منصب القاضي أو المُفتي؛ بل لقد حرص العلماء في الأمور المستعصية الرجوع إلى كبار أئمة المذهب وعلمائه؛ وقد عُرف بها علماء دون غيرهم لما فيها من خصوصية قد لا تتهيأ للجميع؛ كان أقلّها سعة العلم وكثرة الحفظ، وممن عُرف بذلك القاسم بن معن [7] حجّة أهل الكوفة، قال ياقوت: (( ولم يكن له بالكوفة
(1) للعرجي (ت120هـ) في ديوانه:293، والعرجي شاعر قرشي من ولد عثمان بن عفان (- رضي الله عنه -) ،ونسب صاحب خزانة الأدب: 1/ 454، البيت الى الحارث المخزومي.
(2) هو أبو محمد عبدالله بن محمد التوزي، من أكابر علماء اللغة، أخذ اللغة عن أبي عبيدة والأصمعي وقرأ النحوعلى الجرمي، قيل: كان أعلم من الرياشي والمازني في الشعر، وأكثر روايته عن أبي عبيدة. ينظر: نزهة الالباء: 135.
(3) بغية الوعاة: 1/ 464.
(4) المصدر نفسه: 1/ 465.
(5) . هو القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود، ولي قضاء الكوفة وكان فقيه البلد، ثقة جامعًا للعلوم، راوية للشعر، عالمًا بالغريب والنحو، وكان قد كتب ولم يُشهر عنه شيء. ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 133ـ134.
(6) معجم الأدباء: 17/ 6.
(7) المصدر نفسه: 5/ 140.