في عصره نظير ولا أحد يخالفه في شيء يقوله )) [1] .أما ثعلب فقد عُرف لديهم (أهل الكوفة) بأنه (( كان فاروق النحويين والمُعاير على اللغويين، من الكوفيين والبصريين ) ) [2] ، ولعلهم أوقعوا عليه كل هذه الألقاب لمّا اطلعوا على كتابه الموسوم بـ (إختلاف النحويين) [3] الذي وضعه للموازنة بين آراء المذهبين، فلعلهم رأوا حكمه على آرائهم فيه، فحكموا على صنيعه فيه بما حكاه ياقوت عنه.
وكان من البصريين المبرد تلميذ المازني من العلماء المشار إليهم بالحكم والرياسة، وكان كشيخه المازني محطّ أنظار الخلفاء والوزراء والولاة في مسائل النحو المستعصية. استدعاه المتوكل على خاقان (ت 247هـ) [4] الله (ت247هـ) وقد قرأ يوما: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إذا جَاءتْ) بالفتح، وكان بحضرته الفتح بن، (( فقال له الفتح بن خاقان: ياسيدي،(إِنها إذا جاءَتْ) [5] بالكسر: ووقعت المشاجرة، فتبايعا على عشرة آلاف دينار، وتحاكما الى يزيد بن محمد المهلبي [6] ـ وكان صديقًا للمبرد ـ فلما وقف يزيد على ذلك خاف أن يَسْقُط أحدهما، فقال والله ما أعرف الفرقَ بينهما، وما رأيت أعجبَ من أن يكون باب أمير المؤمنين يخلوُ من عالم متقدّم، فقال المتوكل: فليس هاهنا مَنْ يُسأل عن هذا؟ فقال: ما أعرف أحدًا يتقدم فتىً البصرة يُعرف بالمبرّد، فقال: ينبغي أن يُشخص )) [7] .فلما حضر المبرد أجاب الفتح بن خاقان: (( {إنها} بالكسر؛ هذا هو المختار، وذلك أن أول الآية: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا} ،باستئناف الكلام المتقدم، قال: صدقت؛ وركب إلى دار أمير المؤمنين ) ) [8] ، فلما سُئل عن الآية أجاب بما يوهم نقض جوابه الأول، قال: (( يا أمير المؤمنين، أكثر الناس يقرؤها بالفتح. فضحك وضرب برجله اليسرى وقال: أحضر يافتح المال، فقال: إنه والله سيدي قال لي خلاف ماقال لك ) ) [9] ، ولما مثل بين يدي الفتح؛ قال له الفتح: (( أول ما ابتدأنا به الكذب! فقلت: ماكذبتُ، فقال: فكيف وقد قلت لأمير المؤمنين إن الصواب: {وما يُشعرُكم أنها إذا جاءَتْ}
(1) ينظر: بغية الوعاة: 1/ 397.
(2) وهو وزير المتوكل على الله، قُتلا معًا على يد الأتراك في حادثة واحدة بمكيدة دبرها معهم أبو جعفر المنتصر بالله إبن المتوكل على الله. ينظر: تأريخ الخلفاء: 346 ـ 356.
(3) الأنعام: من الآية109.
(4) هو يزيد بن محمد بن المهلب بن المغيرة بن أبي صفرة، يكنّى أبا خالد. بصري شاعر محسن من شعراء الدولة الهاشمية. ينظر: الفهرست: 122،149.
(5) طبقات النحويين واللغويين: 102.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.
(8) المصدر نفسه: 1/ 140.
(9) كان كاتبًا مترسلًا، إنتهت إليه خاص المكاتبات في أيام المتوكل. ينظر: الفهرست: 3/ 138.