الصفحة 49 من 416

بالفتح؟ فقلت: أيها الوزير؛ لم أقل هكذا. وإنما قلت: أكثر الناس يقرؤها بالفتح، وأكثرهم على الخطأ، وإنما تخلّصت من اللائمة، وهو أمير المؤمنين؛ فقال لي أحسنت )) [1] .

وقد لا يكون الباعث على حضور العالم مناظرة إنتهت الى طريق مسدود؛ فربما كان الداعي خطأ وقف عليه أحدهم يتطلب تدخل العلماء المتقدمين؛ وما أكثر أن أسرعت كتب الخلفاء والأمراء لاستدعاء العلماء الحُكّام ليفتوهم فيما عنّ لهم في مجالسهم أو معاملاتهم من عويص النحو ومستغلقه، فكثيرًا ما لجأ هؤلاء الأعيان إلى نفوذ العالم الناقد وما يتمتع به من سلطة على منقوده، إذ لا مجال للخطأ في مثل هذه المجالس. ومن ذلك الكتاب الذي وجَّه به الى إبن قادم من قبل إسحاق بن إبراهيم المصعبي - أحد وزراء المأمون س ليحكم له على كتاب كان قد أخطأ فيه ميمون بن إبراهيم [2] وهو أحد كُتّاب إسحاق على الرسائل. قال إبن قادم: (( فلما قربتُ من مجلسه تلقاني ميمون بن إبراهيم كاتبه على الرسائل وهو على غاية الهلع والجزع، فقال لي بصوت خفي إنه إسحاق، ومرّ غير متلبّث حتى رجع إلى مجلس إسحاق فراعني ذلك، فلما مثلتُ بين يديه قال لي: كيف يُقال: وهذا المالُ مالٌ أو هذا المالُ مالًا؟ قال: فعلمت ما أراد ميمون: فقلت: الوجه(مالٌ) ، ويجوز (مالًا) ، فاقبل إسحاق على ميمون يُغلِّطه وقال: إلزم الوجه في كتبك ودعنا من يجوز ويجوز ورمى بكتاب كان في يده، فسألت عن الخبر، فإذا ميمون قد كتب الى المأمون ـ وهو ببلاد الروم عن إسحاق وذكر مالًا حمله إليه ـ وهذا المالُ مالًا. فخطّ المأمون على الموضع من الكتاب ووقّع بخطّه على الحاشية: تخاطبني بلحن؟ فقامت القيامة على إسحاق )) [3] .

وإن كان لهذه المحاكمات من فضل فإن من فضلها أنها حفظت قدر العلماء وأظهرت مكانتهم لدى الناس وعند الولاة ولدى بعضهم بعضًا. فازدادت مكانة النحوي الناقد والحاكم لديهم. جاء في (طبقات) الزبيدي: (( كان المازني في الإعراب وأبو حاتم في الشعر والرواية، وكان الريّاشي [ت257هـ] [4] في الجميع، وكان أهل البصرة إذا اختلفوا في شيء قالوا ما قال فيه أبو الفضل [الريّاشي] ، فانقادوا لقوله وروايته ) ) [5] . ولم يكن للسيرافي في عصره نظير؛ كتب إليه ملوك الشرق والغرب وقد عرفوا مكانته يسألونه ويستفتونه فيما عنّ لهم في مجالسهم [6] . وفي (معجم الأدباء) ، لمّا مات أبو العباس

(1) معجم الأدباء: 18/ 207ـ208، وبغية الوعاة: 1/ 140.

(2) هو أبو الفضل العباس بن الفرج الريّاشي، كان مولى لمحمد بن سليمان الريّاشي، من كبار علماء اللغة وقد عُرف بكثرة روايته للشعر، أخذ عن الأصمعي، وكان يحفظ كتبه وكتب أبي زيد كلها، قرأ النحو على المازني وعنه أخذ المبرد وإبن دريد. ينظر: نزهة الالباء: 125ـ154.

(3) طبقات النحويين واللغويين: 98.

(4) ينظر: الامتاع والمؤانسة: 1/ 133، ومعجم الادباء: 30/ 101.

(5) معجم الادباء: 1/ 148.

(6) المعجم الوسيط: مادة (وَزَنَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت