أحمد بن يحيى ثعلب، بكى أبو اسحاق الزجّاج، فقيل له: (( مابكاؤك؟ فقال: أين يُذهبُ بك؟ [فقيل له:] أليس كان يُقال: أحمد بن يحيى جالس وإبراهيم الزجاج اليوم؟ فقال الزجاج: ونفطويه وابن الأنباري. مات الناقد، ونفقت البهارج ) ) [1]
إن الحكم الذي يصدر عن العالم الناقد فيما مرّ من شواهد لايعدو أحد أمرين، إمّا أن يكون حكمًا على مسألة صدر الخطأ فيها عن شخص واحد، أويفتي في مسألة كانت محل نزاع بين طرفين أو أكثر، فهو حاكم في الحالة الأولى؛ وحاكم موازن في الحالة الثانية، وبما أن كل موازن يُعدّ حاكماَ (ناقدًا) ، وقد يصح العكس؛ فان التعرف على تطبيقات مبدأ الموازنة في النحو ستنتهي بنا الى الأشكال الأخرى للمحاكمات النقدية التي عرفها العلماء؛ فتطبيقات مبدأ الموازنة في النحو العربي كثيرة، لأن الموازنة مبدأ نقدي واسع ومجالاته كثيرة.
والموازنة كما جاء في (المعجم الوسيط) من (((وزن) الشيء ـ (يَزنُ) وزنًا، وزنةً: رَجَحَ. ووزن الشيء: قدَّره بوساطة الميزان ... (وَازَنَ) بين الشيئين، موازنة، ووِزانًا: ساوى وعادَلَ.
ووزن الشيءُ الشيءَ: ساواه في الوَزْن. ووازنه عادله. ووازنه قابله. ووازنه حاذاه )) [2] . وفي (اللسان) : (( الميزان: المقدار ... والميزان: العَدْلُ. ووازنه: عادله وقابله ) ) [3] .
والموازنة اصطلاحًا؛ تعدّ مبدأ نقديًا لجأ إليها نقّاد الأدب ومنذ وقت مبكر مستعينين بها للحكم على النصوص المتماثلة. أو هي كما عرّفها بعض الباحثين: (( منهج نقدي تطبيقي يرمي الى تحقيق أحد الغايتين (( الوصف والحكم ) )أو كليهما معًا وذلك بدراسة عملين أدبيين أو أكثر دراسة شاملة على وفق معايير نقدية تختلف من ناقد لآخر تبعًا لمذهبه في الأدب ونقده )) [4] . اذًا فالموازنة منهج نقدي ومعياري ووصفي في آن واحد.
إن إعتماد النقد الأدبي على مبدأ الموازنة كمنهج نقدي ـ على أهميته ـ إتسم بالسذاجة العفوية في أول الأمر، وقضى وقتًا طويلًا على ذلك حتى صادف الآمدي (ت371هـ) [5] الذي خطا بهذا المنهج خطوة كبيرة تعدّ مرحلة إنتقال في تاريخ النقد الأدبي بعد أن وضع كتابه (الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري) ، وهكذا أخذت كتب الموازنة تتقاطر، لينفرد الآمدي بموازنته في أول الطريق أو يكاد [6] . أما في النحو العربي فقد شاعت الموازنات النحوية وكثرت مجالاتها وتعددت موضوعاتها ومنذ وقت مبكر
(1) اللسان: مادة (وَزَنَ) .
(2) الموازنة منهجًا نقديًا قديمًا وحديثًا (رسالة) : 18.
(3) هو أبو القاسم الحسن بن بشير بن يحيى الامدي الأديب الكاتب، أخذ عن الأخفش الصغير والزجاج والحامض وبن السراج وبن دريد وغيرهم. كان حسن الفهم، جيّد الرواية والدراية. ينظر: بغية الوعاة: 1/ 500 - 501.
(4) ينظر: النظرية النقدية عند العرب: 27.
(5) . سيأتي الحديث عن هذه الجوانب في موضوعات الموازنة النحوية بالتفصيل.
(6) . ينظر: الموازنة منهجًا نقديًا قديمًا وحديثًا (رسالة) : 16ـ18.