الصفحة 51 من 416

، ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا أنها كانت مرافقة لنشأة النحو، فان كان السبق للموازنات الأدبية؛ كانت الموازنات النحوية الأكثر سعةً، فقد كثرت مجالاتها وتعددت موضوعاتها، ولا أُريد المفاضلة بقولي هذا بين هذين النوعين النقديين ولست أنوي ذلك. وحسبي من القول أن أنبّه على أن النحو لم يكن بدعًا عن غيره من العلوم والفنون في اللجوء الى هذا المبدأ النقدي، فالموازنة قبل هذا وذاك نشاط عقلي توجده الضرورة وتدفع إليه الحاجة، وكان الباعث على اتباع هذا المنهج النقدي في الدرس النحوي وجود وحدات متماثلة (آراء، مسائل، مناهج، كتب، علماء .. ) تصلح للموازنة لا سيما وإن أكثرها كان مثار جدل ونزاع بين النحاة، وكان من الطبيعي جدًا أن يشاع في الدرس النحوي إثر هذا النزاع بعض الأسئلة النقدية التي تحفّز العلماء على القيام بهذه الموازنات، قالوا: من أعلم؟ من أحفظ؟ أيهما أصح روايةً؟ وأيهما أوسع علمًا؟ وأيُّ الرأيين أصحْ؟ وأيهما أرجح؟ .. وغير ذلك. وقد نشطت في إثر هذه الأسئلة كثيرًا من الأعمال النقدية التي تفضي بالنتيجة إلى قيام موازنة نقدية تأخذ شكل المفاضلة أو المقابلة أو المقايسة أو المقارنة، فقد قابلوا بين النسخ، وقارنوا بين المناهج، ووازنوا بين الآراء، وقايسوا بين الأحكام، وقارنوا بين الكتب، وفاضلوا بين العلماء [1] .

فرّق الباحث إسماعيل خلباص حمادي [2] بين دلالات هذه المصطلحات من حيث الواقع النقدي الذي تصفه، فكل واحدة منها يعبر عن مرحلة من المراحل التي تمرّ بها الموازنة النقدية، وكالآتي:

المرحة الأولى: هي المرحلة التي يهدف من ورائها النُقّاد الى كشف النصوص، والغالب على هذه المرحلة تجزئة موضوع النقد الى أجزاء معينة على وفق شكل العمل النقدي ونوعه، ويتم ذلك عن طريق ما يأتي:

أ. المقابلة: تعني المعارضة والمواجهة التي تكشف فيها خفايا الأشياء طبقًا لمفهوم كلمة (المقابلة) اللغوي.

ب. المقارنة: وتعني المصاحبة بين الموضوعات النقدية وإخضاعها بالتساوي الى المعايير النقدية.

ج. المقايسة: وهي أشمل من المقارنة والمقابلة من جهة الدلالة على معنى الموازنة لأنها تعني وجود

وحدة معينة للقياس وهو المعيار؛ تصلح جميع الوحدات مشروع الموازنة لأن تخضع لقياسه.

المرحلة الثانية: الموازنة: وهي مرحلة إحصاء المحاسن والمساوئ التي توصّلنا إليها عن طريق

المقابلة أو المقارنة أو المقايسة.

المرحلة الثالثة: المفاضلة: وهي مرحلة إصدار الحكم النقدي؛ إذ يُحكم لطرف بالتقدم ولقرينه

بالتأخر، وهي النتيجة المتحققة بعد الكشف والإحصاء.

(1) البحث اللغوي عند العرب: 81.

(2) الاقتراح النحو: 19 ـ20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت