موضوعات الموازنة النحوية:
إن مبدأ المماثلة في النحو العربي يكاد يصلح على أغلب جوانبه، لذا كان النحاة لا يترددون في المفاضلة بين ما رأوهما مثيلين إن استدعي الأمر ذلك. وتبقى فكرة وجود مذهبين إثنين في النحو العربي حافزًا على نشاط الموازنات النحوية وتعدد موضوعاتها، ومما وقعت المفاضلة فيه:
1 -بين المناهج: إن المنهج هو الطريقة العلمية المتبعة في إستقراء مفردات هذا العلم، أو لعرض موضوعاته فعن طريق المنهج شُرِّعت مواد اللغة للدراسة والبحث، وكان طبيعيًا ان يسبق منهج الاستقراء منهج العرض، وإن التعويل على المنهج العلمي في هذا الجانب يُعد من أوليّات النحو وأولوياته. وإذا كان لابدّ لكل مادة مسموعة من إستقراء دقيق فلا بدّ من منهج رصين يفي بذلك؛ وهذا ماأخذه البصريون على عاتقهم لأنهم أول من ولج أبواب اللغة وطرق قواعدها، فكان لابدّ من هذا المنهج. قال الدكتور أحمد مختار عمر: (( لأنه لا يمكن القيام به - أي الاستقراء- بدون مادة توضع تحت تصرف النحوي، وبعبارة أخرى لأن تقعيد القواعد ماهو إلا فحص لمادة لغوية تمّ جمعها بالفعل ومحاولة لتصنيفها واستنباط الأسس والنظريات التي تحكمها ) ) [1] .
ولو لم يفعل النحاة ذلك ما كانت لهم طريقة في النحو؛ فلا عجب أن يفصح الرواة لنا عن نموذج متقدم من الموازنات النقدية التي وافى بها العلماء المادة المسموعة عن لغات القبائل؛ جعلوها في مقدمة منهجهم الاستقرائي الذي اعتمدوا عليه في تقعيد المادة اللغوية المستقرأة. قال السيوطي: (( فانه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جُذام، فانهم كانوا مجاورين لأهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرأون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلب ولا النمر، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية، ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من أزد عُمان لمخالطتهم للهنود والفرس، ولا من أهل اليمن أصلًا لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكّان اليمامة، ولا من ثقيف وسكّان الطائف لمخالطتهم تجّار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأعاجم وفسدة ألسنتهم ) ) [2] .
إن وصف السيوطي لمنهج النحاة البصريين يفصح جليًّا عن أنموذج متقدم من الموازنات النقدية التي عقدها هؤلاء العلماء حول لغات العرب بعد الكشف عن خصائص لغة كل قبيلة منها والوقوف على مميزاتها، ثم الحكم لبعضها بالتقدم على بعضها الأخر في رتبة الفصاحة، وكان المعيار المُعتمد في هذه الموازنة هو الفصاحة. والموازنة من جانب أخر تفصح عن قدرة العلماء على عقد مثل هذه الموازنات الفريدة في وقت مبكر من تأريخ النحو، كما تفصح عن أهمية هذا المبدأ النقدي نفسه في
(1) الفهرست: 1/ 64.
(2) عبارة عارضة لايُفهم مراده منها.